من يقرأ أوراق التاريخ جيداً ويقف عند فواصلها يكتشف أموراً مثيرة ومنعطفات خطيرة يتأكد بعد ان يعاين ويربط الأحداث انها لم تحدث هكذا بتلقائية، فها هو بيرتون كوفمان استاذ علم السياسة والعلاقات الدولية، والذي يعد واحداً من كبار مؤرخي العلاقات الخارجية لأمريكا يقول في كتابه «الشرق الأوسط العربي والولايات المتحدة»: كان جون كنيدي الرئيس الامريكي يفهم جيدا موجة القومية العربية التي كانت تجتاح الشرق الأوسط في منتصف الخمسينيات ومطالع الستينيات، وكان واعياً بالحساسيات العربية ازاء قضايا مثل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين ومشكلة التأييد والدعم الامريكي لاسرائيل، وخلال حملته الرئاسية الانتخابية في العام 1960 هاجم جون كنيدي الادارات السابقة في البيت الأبيض لأنها تعاملت مع العرب من منظور وحيد هو الصراع بين الشرق والغرب فقط، وعندما تولى كنيدي رئاسة أمريكا كان منطقياً ان يتعهد بالتزام مؤداه ان يتبع سياسة شرق أوسطية أكثر توازناً. والمثير في هذا الأمر ان الرئيس كنيدي حين اجتمع الى بن جوريون رئيس وزراء العدو الاسرائيلي العام 1961 ظل يشدد على أهمية الوساطة من أجل حل مشكلة اللاجئين ثم أعطى تعليماته الى المندوب الأمريكي في الأمم المتحدة كي يصوت تأييداً لقرار يدين اسرائيل بسبب غارة انتقامية شنتها على سوريا. وكانت تلك الادانة من نوادر الزمن في السلوك التصويتي لأمريكا المؤيد على طول الخط لاسرائيل في محافل المنظمة الدولية. هذا التوجه المتوازن والسلوك الجديد على الفكر الاداري الامريكي نحو الشرق الأوسط من جانب الرئيس الامريكي الشاب جون كنيدي حتماً سيقوده الى رئيس شاب متوهج بالصدق والحماسة يسمى جمال عبدالناصر. كان الرئيس الامريكي الشاب حريصاً بصورة خاصة على اصلاح وتحسين العلاقات مع عبدالناصر، وطبقاً لما يذكره آرثر شلزنجر وكان من كبار معاوني كنيدي، ان من أسبق الأولويات على رأس قائمة مستشاري الرئيس الامريكي في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض أو في رئاسة التخطيط السياسي بوزارة الخارجية بندا في غاية الأهمية يدور حول التساؤل عما إذا كان تحسين العلاقات ممكناً مع أقوى زعيم في العالم العربي. كان جون كنيدي كما يشير البروفيسور كوفمان معجباً بالرئيس عبدالناصر، وكان يعتبره واحداً من الزعماء العظام لدول عدم الانحياز، لذلك عمد كنيدي الى تعيين جون بادو المستعرب ورئيس الجامعة الامريكية بالقاهرة سفيراً لأمريكا في مصر. وقدّم كنيدي مساعدات للقاهرة بلغت من السخاء لدرجة ان السنوات الثلاث التي أمضاها في البيت الأبيض بلغت شحنات الحبوب الأمريكية ما قيمته 30% من مجموع ما توافر لمصر وقتها من كميات القمح والطحين. من جانبه رحّب عبدالناصر بالمعونات القادمة من أمريكا، خاصة وانها أتت من رئيس شاب يماثله في الطموح والعمر، فقد كان عبدالناصر في الثالثة والأربعين وكنيدي في الرابعة والأربعين من العمر. وكان التاريخ سيُكْتَب بشكل آخر لو ظل كنيدي في منصبه، إلا ان الأمل الذي كان يبرق في عيون الرئيسين سرعان ما تبدد وضاع بسبب رصاصات مجهولة اغتالت الرئيس كنيدي في خريف العام 1963، وتفرق دمه كما قالت العرب بين القبائل التي وجهت اليها الشكوك، ما بين قبيلة المافيا أو قبيلة احتكارات الصلب، أو قبيلة خارجية من المعسكر الشرقي.. إلا ان أحداً لم يقل أو يجرؤ على القول ان القبيلة التي ربما لها ضلع كبير في ذلك الأمر هي قبيلة اسرائيل أو يهود امريكا أو الحركة الصهيونية التي لم يهدأ لها بال في ظل وجود رئيس امريكي يتفهم ظروف العرب، ويدرك كم عاملهم أسلافه الرؤساء بغير موضوعية أو انصاف ويحترم الدعوات العربية الداعية الى العدل، ثم يضغط لحل مشكلة الفلسطينيين، ويجاهر باعجابه بالرجل الذي كان رمزاً لطموحات العرب، ثم تحسين العلاقات معه على أساس ان ذلك على قمة ما تعتمده ادارة كنيدي من أولويات. بعيداً عن ذلك كله وعن نظرية المؤامرة التي تلتصق دائماً بأي حدث وبعد ان انكشفت أوراق كثيرة في ظل المخططات والسيناريوهات بعيدة المدى هل من حقنا ان ننثر الاسئلة، خاصة بعد وصف بوش المثير للجدل في كافة الأوساط من ان شارون رجل سلام، وانه إذا قام مجلس الأمن بادانة مجازر جنين فستلجأ أمريكا لاستخدام حق الفيتو؟.. هل من حقنا بعد ذلك كله ان نعود لأوراق التاريخ ونتساءل: من صاحب المصلحة الأولى في الإجهاز في ذلك الوقت على بريق الأمل الذي لمع في عيون كنيدي وعبدالناصر؟.. ومن صاحب المصلحة في اغتيال كنيدي والمجيء ببديل اسمه جونسون كان من أشرس الرؤساء تأييداً لاسرائيل وتواطؤاً معها؟ ها هو التاريخ يتكرر فيذهب بيل كلينتون الذي أذاقه اليهود مؤامراتهم خاصة بعد ان كاد ان يوشك على النجاح في مسعاه لحل المشكلة العالقة بين الفلسطينيين والاسرائيليين. ويأتي جونسون الجديد فيجهز على كل أمل ويقضي على كل بارقة! إنها حكاية الرئيس الذي قال لا، فقال له الموت نعم!