الحرب التي يقوم بها الكيان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية تتضح أبعادها من التسمية التي اطلقها عليها ارييل شارون حينما وصفها «بالسور الواقي»، واذا كانت هذه الحرب بالنسبة الى شارون، هي حرب ذات ابعاد استراتيجية أمنية كما وصفها، الا ان المنطق لا يمكن له الا ان يدعوها بالمجزرة العنصرية المستمرة التي تمارس ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. ومع ذلك فان مفهوم الأمن بالنسبة الى اسرائيل بات الشاغل الرئيسي وباتت أسسه لا تبدو فقط في تقسيمات أوسلو المحددة بالمنطقة «أ» التي من المفترض ان تكون تحت السيطرة الكاملة للسلطة الفلسطينية او حتى «ب» و«ج»، بل تنطلق الى ابعد من ذلك بكثير. وهذه الابعاد ليس هدفها الحقيقي الأمن الذي يدعيه شارون بل المشروع المرتبط بالابعاد العسكرية الاسرائيلية النابعة من المفاهيم العنصرية لتكوين الدولة العبرية. لذلك فان الكيان الصهيوني يسعى الى تأكيد مفاهيم قديمة جديدة لترتيب اوضاعه في العالم العربي، ضمن خطة مشتركة مع الولايات المتحدة الامريكية تبدو بوادرها بوضوح تام من المشهد السياسي الحالي، مما يعني ضرورة السعي لحماية الأمن القومي العربي الذي يعاني في هذه المرحلة من ضبابية شديدة ليست في النهاية الا لمصلحة اسرائيل ومخططات الولايات المتحدة. ثنائية الخطة لن نعود الى التاريخ لتوضيح المشروع الصهيوني الذي بات معروفا بأفكاره الخارجة عن القانون الانسانية قبل غيره، ولكن المشكلة ان هذا المشروع بات مرتبطا بطرائق التفكير الامريكي الجديد من جهة اساليب السياسة الخارجية، فالرئيس الامريكي جورج بوش الذي اعلن حربه على الارهاب بالمفهوم المحدد من قبل ادارته، ولا نغالي اذا قلنا بالاشتراك مع اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، لم يقصد من وراء هذه الحرب سوى العزف على ايقاع جديد ينظم من خلاله شئون مخطط العولمة من منظور معدل عن مفهوم العولمة الاقتصادية التي مازالت مسيطرة رغم ما تقوم به الادارة الامريكية، بيد ان بوش حاول هذه المرة ان يسير بخطوات متسارعة تدوس كل من يقف في طريق استراتيجيته الجديدة. وبالتأكيد لا يعني هذا ان الادارة الامريكية تسعى لعولمة عسكرية صرفة، بل لعلها باتت تعتمد على شكل هذه العولمة كي تؤدي غرضها الاقتصادي الذي يعتبر المحور الاساسي في الانطلاقة الامريكية لمحاربة الارهاب، وهي بذلك لا تتجاهل العالم النامي او الفقير بل تتجاهل حتى أوروبا الأم التاريخية للولايات المتحدة وحليفتها الاستراتيجية، سواء داخل حلف الناتو او خارج الاطار العسكري اي ضمن المفاهيم الثقافية المتعددة وشكل الانتماء الصوري لمفهوم الغرب او العالم الرأسمالي، حتى بعد زوال المعسكر الاشتراكي الذي كان الطرف الرئيسي في الحرب الباردة. وعلى هذا الاساس فان المصالح المتضاربة بين الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي اخذت في المرحلة الراهنة ابعادا مستقبلية جديدة، خاصة مع جحيم الحرب الشارونية ذات الاستراتيجية الاكثر خطرا على العالم العربي وعلى منطقة الشرق الاوسط عموما وحتى المصالح الاوروبية، واذا كان الشكل السياسي العام الذي يحكم طبيعة العلاقات بين واشنطن وتل ابيب هو شكل من اشكال توزع الأدوار، رغم بعض التناقضات التي قد تبدو انها موجودة، الا ان الواقع يعيدنا الى مفهوم نمطية هذه التناقضات ومبرراتها الخادعة من خلال التسلسل الزمني للاحداث والتصريحات المتبادلة التي تتبناها واشنطن في مواقفها المعلنة وغير المعلنة الخاصة بطبيعة الحرب التي ينفذها الكيان الصهيوني على أرض فلسطين. فلقد فرضت طبيعة الاحداث على الولايات ان تطالب شارون بايقاف العمليات العسكرية والانسحاب من المناطق التي احتلتها اسرائيل، وبالطبع فان هذا الطلب لم ينفذ حتى بعد الزيارة المتأخرة التي قام بها وزير الخارجية الامريكي كولن باول الى المنطقة، بل ظهرت الصورة المعاكسة للطلب الامريكي بالوقت ذاته بدت الزيارة خارجة عن الطلب الامريكي بتوقيتها وطريقتها وتوزيعها الجغرافي، ففيما يتعلق بالزمن كان بعد حوالي اسبوعين من المجازر الشارونية، اي ان هذه الزيارة لم تبدأ الا بعد ان انهى شارون هجماته الوحشية على الشعب الفلسطيني، وحتى بعد الزيارة لم تتم مقابلة عرفات الا بعد مطالبته بادانة العمليات الاستشهادية! والاهم من ذلك ان كولن باول سمح لنفسه بأن يكون تحت الحصار الاسرائيلي عندما قابل عرفات والدبابات تحيط بمقره؟! ورغم هذه الزيارة لم يحدد باول فترة زمنية لانهاء الاحتلال او الحرب التي يقودها شارون، وبالمقابل فقد طالب باول الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بأن يقوم «بالأفعال لا الأقوال». وامام هذه التركيبة الواضحة هل يمكن ان نتساءل عن مدى نجاح باول في جولته؟! الأقوال قبل الأفعال لنحاول ان نقرأ طريقة تعامل الادارة الامريكية مع حرب الاحتلال الصهيوني وما ترمي اليه من هذه الطريقة، فبعد القرار المفاجئ لمجلس الامن الذي يعد الفلسطينيين بدولة ورغم عدم الجديد فيه الا انه كان بشكل اولي مفاجأة الولايات المتحدة للعالم بموافقتها عليه، ولكن سرعان ما انكشفت ابعاد هذا القرار والرد الاسرائيلي عليه بحرب ضد الفلسطينيين. وهنا تحركت الولايات المتحدة سريعا ولكن للحفاظ على مصالح الكيان الصهيوني وسارعت الادارة الامريكية لتلعب لعبة التصريحات، فالرئيس الامريكي جورج بوش قال بعد صمت طويل: «على اسرائيل ان تسحب قواتها من الاراضي الفلسطينية دون ابطاء»، ولكنه بالمقابل ومتابعة لحديثه قال: «وعلى القادة العرب ان يتصدوا للانشطة الارهابية ويدينوها حتى يتحقق السلام»، علما اننا اذا اردنا ان نفهم هذا القول بحرفيته فان العرب قد ادانوا الاعمال الارهابية الصهيونية التي تمارسها اسرائيل بشكل يومي ضد الفلسطينيين!! ولكن حقيقة القول ان بوش يريد من القادة العرب ادانة دفاع الفلسطينيين عن انفسهم امام الهجمات الصهيونية العسكرية، بل لعله يطالب الفلسطينيين بالاستسلام للمجازر الشارونية. والواقع ان الاقوال الامريكية المشابهة لتصريح بوش تسارعت ودخلت في مجال الفعل لدعم حرب الكيان الصهيوني، فرغم القرارات الصادرة عن مجلس الامن خاصة القرارين 1402 و1403 اللذين يدعوان الى وقف اطلاق النار وانسحاب القوات الاسرائيلية من المدن الفلسطينية التي اعاد شارون احتلالها، ورغم موافقة واشنطن على هذه القرارات الا ان الولايات المتحدة وقفت ضد ما صوتت عليه سابقا في مجلس الأمن، وكأن هذه القرارات اتت لذر الرماد في العيون كما هي القرارات السابقة الصادرة بحق الكيان الصهيوني، ولعل التاريخ يعيد نفسه في هذه المرحلة. فبعودتنا الى قرار التقسيم الصادر عام 1947 وقيام الكيان الصهيوني بحربه عام 1948 ثم متابعة الاحتلال بحرب النكسة عام 1967، نجد الشبه الكبير بين المرحلتين كحد ادنى بتحدي اسرائيل لقرارات الشرعية الدولية التي لم تستطع ان تفعل شيئا لاسرائيل، حتى ان واشنطن عادت لممارسة الضغوط على مجلس الأمن حينما رفضت متابعة قيام الهيئة الدولية بمهامها وكحد ادنى السياسية منها، وفي هذا الاطار وقف المندوب الامريكي في مجلس الامن «جيمس كانينجهام» ليرد على محاولات مجلس الامن لاتخاذ قرار اخر يدعو اسرائيل لايقاف الحرب وخروج قواتها فورا من الاراضي الفلسطينية، فقال كانينجهام: «يجب على مجلس الأمن ان يخرج من دائرة انتاج الوثائق ويجب ان يتركز محور النشاط بالمنطقة حيث يقوم الوزير باول باتصالاته». وهنا يمكننا ان نتساءل: لماذا ابتعد كانينجهام عن اصدار اية قرارات جديدة ضد اسرائيل وحدد بدلا عنها جولة باول في المنطقة؟! ان الاجابة عن هذا السؤال تقودنا للحديث عن محور امريكي اسرائيلي يسعى الى ترتيب استراتيجية جديدة لمسألة الصراع العربي الصهيوني من جهة، وترتيب الاوضاع الامريكية في المنطقة التي ستكون بلا ادنى شك لمصلحة اسرائيل، خاصة ان الصورة الأولية لتحركات باول لم تسفر عن جديد سوى زيادة الضغط العسكري الاسرائيلي على الفلسطينيين والاقتراح الشاروني بمؤتمر اقليمي يبعد القضية الفلسطينية عن جوهرها ويدخل المنطقة في دوامة جديدة، لن تكون نتائجها الا ضربا في الصميم لأي تفكير عربي مشترك. هنا وهناك لقد اخذت الولايات المتحدة ضوءها الاخضر للتفرد بالعالم من خلال حجتها في مكافحة الارهاب، وظهر هذا بوضوح بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر. فهذه الحجة صارت مشجبا بالنسبة الى واشنطن تعلق عليه كل القضايا السياسية العالمية المتداخلة مع المصالح الفردية التي رسمتها وحددت اللحظة المناسبة لتنفيذها، وهذا ما يجعلنا نؤكد انه ليس من المعقول ان يتجاهل شارون دعوة الرئيس الامريكي لايقاف حربه ضد الفلسطينيين، وكذلك ليس من المعقول ان يتخذ مجلس الامن قرارات سريعة ومتتابعة في هذه المرحلة بالذات وبفترة زمنية قياسية رغم الضعف الذي تعاني منه هذه القرارات خاصة فيما يتعلق بآلية التنفيذ، مع العلم ان القرارات التي توافق عليها واشنطن لابد من ايجاد آلية سريعة لتنفيذها حتى لو كانت هذه الآلية عسكرية، وبالطبع اذا كانت القرارات لا تخص الكيان الصهيوني. ولكن عوضا عن آلية التنفيذ تحركت واشنطن بتكتيك جديد اعتمد على سياسة غامضة ومتناقضة في ظاهرها هادفة في باطنها، فوزير الخارجية كولن باول اشعرنا في اغادير انه بات يخشى على المصالح الامريكية في الشرق الاوسط حين قال: «ان المشاكل الاستراتيجية الناجمة عن استمرار العملية الاسرائيلية مهمة وحادة الى درجة كبيرة اذا نظرنا الى ما يجري ببقية ارجاء الشرق الاوسط.. ونأمل ان يكون رئيس الوزراء شارون ورفاقه يأخذون كل ذلك في حساباتهم كما طلب منهم الرئيس الامريكي عندما بدأت العملية» في اشارة الى حرب شارون بالطبع. ولكن هذه الاقوال بدأت سريعا بالتداعي، فقد وضعت واشنطن ثقلها في اجتماع مدريد الرباعي الذي ضم (الامم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة)، فما كان من الولايات المتحدة الا ان اجهضت كل المحاولات الاوروبية التي كانت تدعو الى ارسال مراقبين دوليين الى الاراضي الفلسطينية، ولكن ما الحجة الامريكية لرفض هذا الاقتراح، الواقع ان باول وجد حجة تبدو بنظره مقنعة ومبررا قويا لرفض هذا القرار، واوضح دون خجل ان المبرر يعتمد على الرؤية الاسرائيلية بالطبع المتفق عليها مع الولايات المتحدة، فقال باول معارضا فكرة المراقبين: «ان اسرائيل لا توافق مطلقا على مثل هذا الاجراء، وعلى امريكا واوروبا ايجاد اساليب للتفاهم مع اسرائيل وليس الضغط عليها.. ولكن واشنطن استطاعت ان تضغط على اوروبا وروسيا والامم المتحدة ونجحت في الغاء التفكير بالعقوبات الاوروبية الاقتصادية والسياسية او المتعلقة بتصدير الاسلحة الى اسرائيل، وجاء البيان الختامي في القمة الرباعية متوافقا مع الرؤية الاسرائيلية الامريكية، وبشكل عام طالب هذا البيان اسرائيل تنفيذ قرار مجلس الامن رقم 1402 وان وردت صيغة المطالبة بالانسحاب الاسرائيلي من الاراضي الفلسطينية التي تندرج بطبيعة الحال ضمن القرار المذكور، كما طالب الاجتماع الرباعي بالسماح لمنظمات الاغاثة الدولية بالدخول الى الاراضي الفلسطينية رغم ان ذلك يندرج ايضا تحت بند الانسحاب، فبعد الانسحاب تستطيع المنظمات الدولية وغيرها ان تدخل لترى حجم التدمير والمجازر التي ارتكبها الكيان الصهيوني. ومن ذلك يكون البيان الرباعي لخدمة اسرائيل والمخطط الامريكي، بل ان هدفه الرئيس جاء للضغط على ياسر عرفات كي يقوم بنداء واضح لايقاف العمليات الاستشهادية، كما جاء في القرار ايضا دعوات لايقاف تحركات حزب الله في الجنوب اللبناني، وهذا بالتأكيد ما كانت تريده واشنطن وتتمناه اسرائيل. لذلك جاءت تحركات باول واجهة لخدمة مشروع شارون الذي بدأ بتنفيذه واضعا الشعب الفلسطيني في حالة مجزرة دائمة والمنطقة في حالة توتر شديد وجديد، وهذه المرة من خلال دعوة شارون لمؤتمر اقليمي دعا اليه مؤخرا يستثني الرئيس الفلسطيني من حضوره، مما يوضح ان اسرائيل ما زالت تتحرك باتجاه المجزرة بحجة الامن تارة والارهاب تارة اخرى، وهي بطبيعة الحال تتجه نحو مخططات كبيرة مع الولايات المتحدة لا تستثني منها أي عربي ولن يكون اخرها ضرب العراق. فهل سيكون للعرب موقف من كل ذلك؟! ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق