هل انقصم ظهر المقاومة الفلسطينية؟ آرييل شارون على الاقل يعتقد ذلك، واذا كان من المبكر اصدار حكم حاسم عما اذا كانت حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة قد تلقت ضربات قاتلة خلال الاسابيع الاخيرة ربما تقعد بها عن العمل لاجل غير مسمى، فان مما لاشك فيه ان فصائل الحركة قادرة ـ نظريا على الاقل ـ على استعادة قواها. هذا بالضبط ما يسعى شارون للحيلولة دون حدوثه من خلال طرح فكرته لعقد مؤتمر دولي لوضع تسوية سياسية تحدد المصير الفلسطيني الى الابد من خلال رؤية اسرائيلية. وعلى هذا النحو فان المؤتمر الدولي المقترح يجب ان يكون في التصور الاسرائيلي الامريكي المشترك امتدادا سياسيا للانتصار الذي تحقق من خلال الحملة العسكرية الاسرائيلية الضارية في الاراضي الفلسطينية التي بدأت عند اواخر مارس المنصرم. ورغم البراءة الظاهرية لفكرة المؤتمر الدولي فان انعقاده ـ اذا انعقد فعلا بعد نحو شهرين وفقا لتصريحات شارون وكولن باول ـ سوف يكون مؤشرا لأخطر تحول في مسار قضية الشعب الفلسطيني، بل ايضا في تطورات الصراع العربي الاسرائيلي على الصعيد الاعرض، فمن خلال المؤتمر يأمل شارون كما يبدو في استكمال رسم «اسرائيل الموسعة» التي تشتمل على ضم الضفة الغربية نهائيا باعتبارها ارضا «توراتية» انطلاقا من عقيدة «ارض الميعاد» اليهودية .. مما يتطلب حسب رؤية اليمين الاسرائيلي ترحيل الشعب الفلسطيني الى الاردن. ورغم ان ارييل شارون وكبار السياسيين الاسرائيليين المنتمين الى اليمين «التوراتي» يتحاشون الحديث العلني بتوسع عن هذه الاجندة الخطيرة .. الا انهم يعمدون من حين الى آخر الى التلميح الذي يكاد يبلغ مستوى التصريح ففي مطلع هذا الاسبوع مثلا اشار شارون في مقابلة طويلة مع قناة «سي. ان. ان» الامريكية الى مدينة نابلس الفلسطينية باسم «شحنيم» .. وهو اسمها التاريخي «التوراتي» كما يزعم اليهود. ووردت هذه الاشارة في سياق قول شارون ان الوجود الاسرائيلي في الضفة الغربية بشقيه العسكري والمدني (المستوطنات اليهودية) «ليس احتلالا» وانما هو وجود «طبيعي» على «ارض اسرائيلية». بالطبع لن تقدم اسرائيل هذا الطرح الى المؤتمر الدولي المقترح (اذا انعقد فعلا) فماذا تقدم اذن؟ هنا نأتي الى الصيغة التشكيلية للمؤتمر كما يراها سلفا الفريق الاسرائيلي الامريكي. اجل لقد حددت تل ابيب وواشنطن مقدما التركيبة التمثيلية لهذا التجمع المقترح بما يتيح تمرير مشروع لاشك ان اعداده اسرائيليا وامريكيا قد اكتمل بالفعل. ونظرة واحدة الى الصيغة التشكيلية المعلنة تكفي. فعضوية المؤتمر وفقا لهذه الصيغة تقتصر على اسرائيل والولايات المتحدة مع عدد محدود من دول عربية سميت بالاسم و «ممثلين للفلسطينيين»، مع استبعاد سوريا ولبنان بصورة خاصة والاتحاد الاوروبي وهيئة الامم المتحدة وقد اعلن شارون ومن بعده باول ايضا استبعاد الرئيس عرفات شخصيا وان يكون ممثلو الفلسطينيين من «العناصر المعتدلة» ولمنع عرفات من الحضور دون اثارة حرج للدول العربية المشاركة، يرى شارون وباول عقد المؤتمر «الدولي» على مستوى وزاري. هناك اذن تحضير اسرائيلي امريكي قائم، وهو تحضير لا يقتصر على الترتيبات الاجرائية فهناك مشروع «تسوية» سوف يقدم .. وينتظر من اعضاء المؤتمر اجازته دون نقاش، فيخرج المشروع الاسرائيلي الامريكي الى العالم بشرعية غطاء عربي. فما هو هذا المشروع؟ نعود الى طرح شارون الذي اعلنه قبل اكثر من عام عند نزوله المعركة الانتخابية الاسرائيلية، فما يريده شارون هو تأجيل البحث في قضية المصير الفلسطيني النهائي وما يرافقها من قضايا اساسية: الدولة الفلسطينية، حدود الدولة وصلاحياتها، مستقبل القدس، عودة اللاجئين، وعوضا عن ذلك يعرض شارون مشروع اتفاق امني مع الجانب الفلسطيني طويل المدى «للتهدئة» لمدى عشر سنوات على الاقل. وخلال هذه الفترة الطويلة تمضي اسرائيل في تنفيذ مشروعها الحقيقي الخفي: تثبيت السيطرة الاحتلالية على الضفة عن طريق تهويد الارض وتغيير هويتها ديموغرافيا، عن طريق توسيع المستوطنات من ناحية وترحيل الفلسطينيين بالجملة من ناحية اخرى.