أكثر من أي سياسي فلسطيني، كان يبدو ذلك الرجل المندفع بروح نضالية قوية وكأنه قائد الانتفاضة الأول وبلا منازع، كان يبدو بسيطاً كبطل شعبي وكقائد حقيقي، كان وجهه يملأ شاشات الفضائيات العربية، بالتحدي وكان صوته متفجراً كقنبلة وصلباً كحجر، ولذلك قرر شارون اسكاته منذ ان بزغ فجر الانتفاضة عام 1987 ومعها بزغ فجر هذا البطل البسيط جداً. بساطته واضحة في ملبسه، في تقاطيعه الفلسطينية الصميمة، في سمرة بشرته، وفي قامته المتوسطة وفي تواضعه وأدبه الجم، ولأن شارون رجل بلا عقل يشبه تماماً دباباته الصماء المرعبة التي تتحرك في شوارع المدن الفلسطينية فقد قرر ان يغتاله اكثر من مرة، لكنه كان دائماً ينجو بأعجوبة، وحتى حينما اطلقت الصواريخ من طائرة عسكرية على سيارته نجا وقتل السائق.. وظل صوتاً للانتفاضة ولشبابها وشهدائها واميناً لسر حركة فتح حتى اعتقل مؤخراً. مروان البرغوثي يقبع اليوم في زنزانة قذرة جداً ويعيش ظروف اعتقال بشعة، وتواجهه اجهزة الامن في (اسرائيل) بـ 50 تهمة فقط لا غير! تحاول من خلال استجوابه ان تحصل منه على اعترافات تقود الى تثبيت تهم معينة ضد الرئيس عرفات، اهمها تورطه في (العمليات الارهابية)، ومن اجل ذلك فالبرغوثي يتعرض لتعذيب يومي ولضرب وركل لا ينتهي! البرغوثي مناضل فلسطيني يرفض ان يوصف بأنه زعيم او قائد، كما كان يرفض الاختفاء او الاختباء، وكان يردد دائماً (كل الشعب الفلسطيني زعماء الانتفاضة، وقد اخترنا طريق الجهاد لنناضل بين الناس وفي الشوارع وليس خلف الابواب والمكاتب)، ولذلك توجه الشارع الفلسطيني بطلاً وقائداً فعلياً، وحتى ان قتلته اسرائيل او حبسته مدى الحياة فإن الابطال لا يموتون ابداً، فكل فلسطين اليوم مروان البرغوثي. الاعتقال والضرب والتعذيب البشع ليس بجديد على البرغوثي، فهذا المناضل الصلب (من مواليد 1960) كان قد اعتقل وهو في السابعة عشرة من عمره، وعانى عذاب المعتقل لأكثر من ست سنوات، كما رأى بيته ينتهك واسرته تعتقل وتوضع تحت الاقامة الجبرية، ورأى ابنه القسام (14 سنة) يعتقل وابنته تركل بالأرجل ومع ذلك ظل ثابتاً على موقفه ولم يهتز ابداً، فالنضال مسيرة شعب اختار طريقاً صعباً، لكنه الطريق الوحيد نحو الوطن المستقل. بالأمس اعتمدت لجنة المساعدات الخارجية في مجلس الكونجرس الامريكي ما قيمته (200) مليون دولار كمساعدات عاجلة لاسرائيل لدعم موقفها في الحرب التي تخوضها ضد (الارهاب)، ومنذ يومين اطلق (بوش) على شارون لقب (رجل السلام)، هذه الصورة المقلوبة يقلبها مروان البرغوثي، وكل قافلة الشهداء على الارض العربية في فلسطين ولبنان ومصر و.. في وجه بوش وشارون وكل الحمقى والمجانين والاغبياء! فلسطين كلها ابطال ومروان البرغوثي واحد من اربعة ملايين فلسطيني في الداخل واكثر من ذلك في الخارج، هو شعب بأكمله والشعب كله (مروان) ولذلك فـ (مروان) اقوى من (اسرائيل) ومن شارون ومن بوش الذي سئل في احدى مناظراته ايام الحملة الانتخابية عن جماعة (طالبان) فكان رده: (اظن انها فرقة موسيقية شعبية ارجو لها مستقبلاً جيداً)! هذا الرجل الذي بدأ حكمه وهو لا يعرف من هم طالبان من الطبيعي ان يسمي شارون (رجل السلام) ومروان (رجل الارهاب)!