وسط هوجة الاتصالات الهاتفية والآراء التحليلية والتعليقات الهوائية لما يجري في الاراضي الفلسطينية قال الفنان اللبناني فؤاد شرف الدين (ممثل ومخرج) ان ما يصرف على انتاج اغنية فيديو كليب واحدة يوازي انتاجية فيلم سينمائي عن القضية الفلسطينية يقدم للعالم بوصف الفن رسالة توعية وتنوير. هذا الفنان اللبناني لم يقدم للسينما تمثيلاً واخراجاً سوى افلام العصابات والمطاردات والمشاهد الغرامية الساخنة، لكنه قال هذه المرة كلمة حق. ملايين الاموال تصرف على الاغنيات الرخيصة والرقصات المبتذلة وتصور في اصقاع المعمورة وتعرض في المحطات العربية وكأنها اساطير من كتاب ألف ليلة وليلة، حيث بذخ الألبسة والسيارات الفارهة والمناظر الساحرة والثلوج الاصطناعية والامطار المدرارة والبحار الرائعة والسهول الخضراء والجبال الشاهقة جميعها تحشد في اغنية ملخصها فتى وسيم يريد العودة الى أمورته التي شفطها منه مسرور السياف قاطع الرقاب وفاصل الابدان عن الرؤوس. في حين ان خزينة السينما العربية تفتقد الى افلام حديثة تطرح القضية العربية المركزية امام الرأي العام العالمي، وجلّ ما في تلك الخزينة حفنة افلام مكررة معظمها انتج في السبعينيات ويعاد عرضها كلما دق الكوز بالجرة اي كلما تغطرست اسرائيل وأرسلت شارونها لاحتلال بقعة جديدة وفصل لحم الناس الابرياء عن عظامهم (!). واذا كان للفن دور في توجيه الرأي فإن السينما صاحبة النصيب الاكبر في ذلك، فهي الفن الشامل والرسالة الأوضح التي يستطيع العالم على اختلاف لغاته قراءتها وفهمها، ويمكن لفيلم بسيط ان يقول للعالم أشياء يعجز الساسة والمبعوثون عن شرحها، وفي هذا الصدد أذكر زيارة المخرج (السوفييتي) عليم كليموف لنادي السينما الطلابية في جامعة حلب اواخر السبعينيات حيث سألناه انكم (في الاتحاد السوفييتي) تتحدثون كثيراً في سينماكم عن الحرب العالمية الثانية وتبرزون بشاعة الالمان وقسوة الاحتلال ولم تتوقفوا عن ذلك طيلة اربعين سنة؟ فأطرق المخرج الكبير ثم قال: لقد فقد الاتحاد السوفييتي في حربه تلك حوالي عشرين مليون شخص، اي ان كل بيت فقد شخصاً عزيزاً.. هل تريدوننا ان ننسى هؤلاء الاشخاص بسهولة! تلك هي فحوى رسالة السينما حينما يتعذر موقع الحقيقة فتبرز للعالم مشكلات لا يعرفها ولا يعرف اين حدثت، وتلك هي مهمة الفن السينمائي العربي المطلوبة، حيث اننا لم نقدم في هذا الحقل شيئاً يذكر واكتفينا بحفنة افلام قدمتها المؤسسة العامة للسينما بدمشق وبعض افلام قدمتها مصر ثم توقفت هذه الموجة، في حين كان الاحتلال قائماً وكان اكثر شراسة وتوسعاً. ما قاله الفنان اللبناني رفيق شرف الدين يستحق وقفة مطولة، لأننا نصرف من الوقت والجهد والمال في اعمال لا طائل منها، فأغنية الفيديو كليب لا تستحق المشاهدة اكثر من مرة واحدة، ثم تموت بعدها وتدفن تلك الاموال في جيب من لا يفقه شيئاً عن قضايا أمته ومشكلات شعبه. واذا كان شارون قد ايقظ الحماس والنخوة في نفوس البعض، فإنه سعيد بما انجزه لاسرائيل وستمنحه الأوسمة والنياشين لخدماته الجليلة، الا ان ما قيمة ذلك الحماس وتلك النخوة اذا لم يترجمها الفنان العربي الى واقع ورسالة تفيد حاضره ومستقبله، ويا حبذا لو توقف المنتج العربي عن سخافات الفيديو كليب واستثمر أمواله في فيلم سينمائي لكان ذلك هو الموقف وتلك هي الافعال، فلا يكفي ان يرتدي الكوفية الفلسطينية ويظهر فيها امام مشاهديه فقد سبقه الى ذلك كثيرون، عندما كانت الكوفية الفلسطينية رمزاً ثورياً يضعها شباب اوروبا حول اعناقهم في السبعينيات، حيث كانت الدعاية اشمل وأوسع وكان الشأن الفلسطيني يصل الى العالم بصوت اقوى ولكنه خفت في الثمانينيات ومات في التسعينيات، ولم يدفن بعد في الالفية الجديدة. رحمكم الله.