هذا زمان من مصائبه ـ وما أكثر وأعظم ويلاته وبلاويه ـ ان القامات فيه تنسحب نحو الصمت والنسيان او انها تهوى. والزمن الذي تنكسر فيه القامات هو اسوأ وابشع الازمنة، فكل ما فيك، من علم وفهم ورؤية واحلام وغايات، ساهم هؤلاء الكبار في ولادتها او تنميتها، دفعوك نحو النجاح او صوب الغضب والكرامة او منحوك الحب والجمال او انهم عبروا بالنيابة عنك فقالوا او فعلوا ما تشتهيه وما عجزت عنه، فكانت اعمالهم او كتاباتهم أو أغانيهم وألحانهم فسحة الامل التي تبعث في لحظة ظلام وانغلاق. قبل يومين كتب الاستاذ سمير عطا الله في زاويته اليومية بالشرق الاوسط عن قامة كبيرة في دنيا الصحافة والسياسة العربية. سكتت منذ دهر وغيبناها كالعادة في الزاوية المنسية من عقولنا المشوهة والمشوشة المفروض عليها القلق والاضطراب في هذه الايام العصيبة الطويلة في مداها وسوادها. القامة التي كتب عنها سمير عطا الله، هي شخصية وقلم نبيل خوري الذي يرقد منذ سنوات مريضا، ويبدو انه على سرير داء عضال، يكمل مرارة ما تبقى من عمره الذي عاشه مشحونا بهموم وأوجاع أمته، أمته العربية، بلده القدس وبلده لبنان .. مكافحا متغربا في بلاط صاحبة الجلالة الذي دار فيه وتحرك وتحول من بيروت الى الرياض ومن ثم الكويت وبعدها الاستقرار في المنفى، في باريس. هناك ولدت المستقبل، وكانت رسالتها كما اراد لها ان تكون عربية وان تكون قضيتها هي القدس، ضد هذا المغتصب الصهيوني وطبعا ضد من يهادنه ويصالحه ويسعى نحوه حتى لو كان ذلك الطرف عربيا، لهذا سخر نبيل خوري قلمه في نقد السادات ومهاجمة كامب ديفيد، وكانت مقالاته كعادتها جريئة قوية زادته نجاحا وتألقا، بعد تجربة الحوادث اللبنانية، واعطت المستقبل مزيدا من الانتشار والتواصل، وايضا مزيدا من العثرات والقيود والاعداء، كتب نبيل خوري مرة عن المستقبل التي كانت عنده اكبر من مشروع صحفي، انها بالنسبة له قضية وجود وسلاح لهذه الامة ضد عدوها، فحدد هدف المستقبل في مقاله «جمهورية القلم»: في مثل هذا الاسبوع حملنا متاعنا وهمومنا واقلامنا واطفالنا وطموحنا وجئنا الى باريس لنصدر مجلة، عندما وصلنا لم يكن هناك مكتب نجلس اليه، ولا كرسي نلقي عليه بتعب نهارنا، كنا ندور بحلمنا من مقهى الى مقهى نناقش ونتحدث ونخطط، وكان الناس، جميع الناس يعتقدون اننا فقدنا عقلنا من جراء القصف في بيروت، واننا ضحايا تلك الحرب في لبنان التي كان عمرها عاما واحدا. قد نختلف كل يوم وقد لا نلتقي لسنوات، ولكننا نتفق ونلتقي على شعار واحد: لا عرب بدون صحافة، واذا استطاع احد ان يلغي هذه الصحافة وما اكثر الذين يحاولون، فمعنى ذلك انه اخيرا استطاع ان يلغي آخر ما يجمع هذه الامة، انه حلم «الوحدة» الوحيد الباقي في عالم عربي متمزق متقاتل. وجمهورية الكلمة التي لم تصل اليها ايدي الذين يغتالون الاحلام في الظلام. ولن تصل واذا سقط منا «قلم» قام «قلم» هذا قدرنا وهذا مستقبلنا وسيبقى لان هذه الجمهورية هي حزبنا الوحيد، الحزب الذي لا يحمل السلاح ولكنه يقاتل بما هو اهم من السلاح وأمضى: القلم. ويصف الكاتب ناصر الدين النشاشيبي في كتابه «حضرات الزملاء المحترمين» الذي لم يرحم فيه ولم يحترم الا قلة معدودة من الزملاء، احدهم هو نبيل خوري، يصف النشاشيبي مشاعره لحظة نهاية المستقبل: لم احزن على وداع صحيفة او مجلة او دار صحفية من يافا الى القدس الى القاهرة الى بيروت ـ كما حزنت على وداع مجلة «المستقبل» في باريس، ويبقى نبيل خوري صاحب قلب كالطفل ومزاج كالفنان وحياة كالمشرد الفلسطيني وطبع كالبوهيمي! ويبقى انسانا مملوءا بالوفاء والمحبة لا ينقصه الا ذاكرة قوية تحسب الارقام بدقة وتتوقع الخسائر وتدفع الكمبيالات وتواجه الامر الواقع، وعندما مرض نبيل خوري قلت لهم: اعيدوا مجلة المستقبل الى الحياة يعود نبيل خوري الى الحياة .. اذ انني لا اعرف زميلا أحب مجلته وأحب زملاءه وأحب الحياة مثل نبيل خوري. توقفت المستقبل وتعطل نبيل خوري، ما عدنا نسمع كلماته، وغاب قلمه الغاضب الذي شحننا زمنا ومنحنا مساحة حرية كنا ننتظرها ونبحث عنها، ونحتاجها اليوم اكثر في هذا الزمان مع هذا العدو ومع انفسنا. كم نتمنى ان تعود القامات، ألا تكسرها الايام وتسقط.