في الاسبوعين الماضيين وقعت أهم الحروب بين اسرائيل وفلسطين. ولكن تلك الحرب لم تنته بتهجير الفلسطينيين الى بقاع جديدة، او باخراجهم من بلادهم، بل بتثبيت وجودهم على ارضهم وعدم كسر ارادتهم القتالية والسياسية. لقد عكست هذه الحرب ارادة التحرير، وذلك لانها جاءت بعد عشرات الهجمات الفلسطينية، وبعد انتفاضة قارب عمرها العامين، وبعدما بدا انه اختراق كبير للأمن الاسرائيلي من الجانب الفلسطيني. لقد اكدت الاحداث الاخيرة ان ثمن الاحتلال سيكون كبيرا، وان ثمن الاستيطان هو الآخر كبير، وانه آن الاوان لنشوء الدولة الفلسطينية وانسحاب اسرائيل. رسالة الانتفاضة كانت في اوجها رسالة تحرير، اما رسالة الصمود في جنين ونابلس فكانت تذكر الاسرائيليين ببعض معاركهم التاريخية ضد الرومان والتي قاتلوا فيها حتى النهاية رغم معرفتهم بحجم القوة التي تواجههم. هذه الحرب الفلسطينية الاسرائيلية افرزت واقعا جديدا، انها في جانب مهم استمرار للانتفاضة، وهي في جانب رئيسي منها المعركة الرئيسية في قيام الدولة الفلسطينية. ولقد حركت هذه الحرب عوامل عديدة لصالح عزل السياسة الاسرائيلية دوليا وعربيا. فمظاهرات العالم العربي قلبت المعادلة، ومظاهرات العالم من بريطانيا الى استراليا هي الاخرى قلبت المعادلة. الولايات المتحدة وجدت انها تواجه صعوبة كبيرة في دعم معركة اسرائيل وتغطية تصرفاتها. فالضغط كان كبيرا على الادارة الامريكية وعلى الوضع العربي برمته. معادلة الشارع العربي كانت معادلة كبيرة في احداث الاسبوعين الماضيين. فقد ضغط الشارع على المعادلة العربية الامريكية مما دفع الدول العربية لمطالبة الولايات المتحدة بايقاف العبث الاسرائيلي الذي يهدد بنشر الفوضى في العالم العربي. من جهة اخرى رأت الولايات المتحدة انها في طريقها لخسارة حربها على الارهاب من خلال خسارة الكثير من تحالفاتها الدولية والعربية. فهناك عناصر للقاعدة في ستين دولة في العالم، وحرب شارون وضعت الولايات المتحدة في موقف صعب يهددها بفقدان مقدرتها على التركيز على الارهاب. بل ان أي خلل في العلاقات الاوروبية الامريكية والعربية الامريكية يضعف الحرب على الارهاب. ومن افرازات الحرب الفلسطينية الاسرائيلية حصول تغير في الساحة الامريكية نتج عنه اعطاء الثقة والقوة لكولن باول الوزير الامريكي الذي يؤمن بسياسة التشاور الدولي وبسياسة السلام، وبعدم تحويل الحرب على الارهاب الى حرب عسكرية تتحرك من مكان الى آخر بعيدا عن التشاور مع حلفاء واصدقاء الولايات المتحدة. باول الذي يعاني من هجوم وسائل الاعلام واليمين وجماعات الضغط اليهودية، وجد متنفسا في احداث تؤكد صحة رؤيته لضرورات الاهتمام بالصراع العربي الاسرائيلي وعدم تأجيله. وقد حقق باول حتى الآن اصطفافا واسعا يدعم مهمته، فالرئيس بوش يدعم مهمته، كما ان بعض اهم شخصيات الادارة قد صرحت بقوة في الايام الاخيرة لصالحه، اضافة الى ان بعض اهم شخصيات الكونجرس الامريكي قد اثنت على مهمته في محاولة للابتعاد عن الطرح الاسرائيلي الذي يقول بعزل عرفات او بقيادة بديلة. ومع ذلك هناك ضيق في اوساط كبيرة في الساحة الامريكية من تطورات الايام الاخيرة هذه الاوساط كانت تنتظر فشل مهمة باول ليتسنى لها تنفيذ مشروعها الاكثر دعما لاسرائيل هذا الضيق يعود للفشل في التخلص من الرئيس الفلسطيني والفشل في اخراج الفلسطينيين من اللعبة السياسية وهناك قطاعات كبيرة في الساحة الامريكية بين اليهود الامريكيين وبين جماعات الضغط وبعض اقطاب اليمين ترى ان سياسة الرئيس بوش واداراته ساومت وتراجعت ومنعت اسرائيل من الاستفراد بالوضع الفلسطيني لهذا قامت يوم الاثنين الماضي مظاهرة كبرى شارك فيها عشرات الالوف في العاصمة الامريكية لتأكيد الدعم لاسرائيل وقد مثل الادارة بول ولفويتز نائب وزير الدفاع الامريكي الذي القى كلمة في الجمهور الحاشد وكانت المفاجأة ان الجمهور رد بصرخات الاستنكار والرفض على خطاب ولفويتز الذي ساوى بين الالام الفلسطينية والاسرائيلية بل فقد بول ولفويتز الجمهور اثناء خطابه مما اعطى انطباعا واضحا للانشقاق بين الادارة وبين جماعات الضغط الصهيوني في هذه المرحلة. ان القوى التى تسعى لاعطاء اسرائيل الغطاء لمزيد من الحرب على الفلسطينيين تراهن اليوم على فشل مهمة باول. ان الغزو الاسرآئيلي ليس آخر المواجهات الاسرائيلية الفلسطينية ولكن هذه الحرب التي جاءت بعد انتفاضة طويلة قد تقرأ في التاريخ كأساس لانشاء دولة فلسطينية مستقلة ولكن الحرب لم تنته وفترة النضال الفلسطيني لمواجهة محاولات اسرائيل الالتفاف على حق تقرير المصير والانسحاب ما زال امامها اشواط طويلة وقاسية. ان نشوء دولة فلسطينية في ظل مباديء واضحة سيكون بداية انحسار المشروع الصهيوني في شكله الاستيطاني والاستعماري كما انطلق بعد حرب 1967 ولهذا بالتحديد تقاوم اسرائيل بشدة كل ما ان يساهم في هذا الانحسار ولهذا لا يوجد ما يضمن انتصارا سريعا وسهلا على الاحتلال. ـ استاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت