ما هو مدى النفوذ اليهودي على آلية صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة؟ هناك ثلاث دوائر حيوية يفرض عليها اللوبي اليهودي سيطرة شبه كاملة: الكونجرس، والبيت الأبيض، وعالم «الميديا» (المؤسسات الاعلامية). ويمارس اللوبي نشاطه في هذه الدوائر من خلال هيئة تنسيقية يطلق عليها «اللجنة الأمريكية الاسرائيلية للشئون العامة».. وتعرف اختصاراً باسم «أيباك». ومن بين مهام هذه الهيئة حشد تأييد أعضاء مجلس الكونجرس بوسائل الترغيب أو الترهيب، كلما عرضت مسألة تتعلق بالشرق الأوسط، وشن حملات إعلامية لتوجيه الرأي العام الأمريكي والعالمي في وجهة معينة مقررة سلفاً، وتنظيم عمليات التبرع لإسرائيل. لكن اللوبي و«أيباك» ليسا سوى واجهتين. فالنفوذ اليهودي الحقيقي يتمثل في السيطرة الرأسمالية على قطاعات حيوية بعينها من بينها النظام المصرفي والشبكات التلفزيونية الكبرى. وهذا ما يفسر لنا لماذا تهيمن أقلية عرقية دينية كالأقلية اليهودية في الولايات المتحدة على مجتمع كبير لا تمثل سوى 2% فقط من عدد سكانه.ولأن الهاجس الأكبر لليهودية الأمريكية هو تخليد بقاء الدولة الاسرائيلية كقوة اقليمية متفوقة في منطقة الشرق الأوسط، فإن هذا يفسر لنا لماذا يتركز اهتمام اللوبي اليهودي على الشئون الخارجية خاصة شئون العالم العربي والاسلامي. ولذا فإن إسرائيل تحظى بالنصيب الأعظم من برنامج المساعدات الأمريكية الخارجية «عدا التبرعات غير الحكومية»، ومما يروى في هذا السياق ان الميزانية العسكرية الاسرائيلية في عام 1967 (حرب الأيام الستة) كانت أقل من نصف الانفاق العسكري لمصر والعراق وسوريا والأردن مجتمعة، بينما تتفوق الآن على الميزانيات العسكرية لهذه الدول العربية الأربع مجتمعة بنسبة 30%. غير أن المؤسسات الإعلامية في الولايات المتحدة تحرص على طمس صورة السيطرة اليهودية، بإظهار العلاقة بين الدولة العظمى والدولة الاسرائيلية وكأنها شراكة حول قيم ومثل عليا. فالإعلام الأمريكي يقدم الدولة اليهودية الى الجمهور الأمريكي باعتبارها جزيرة للحرية والديمقراطية وسط أنظمة استبدادية أوتقراطية في العالم العربي والاسلامي. وبالطبع يتجاهل الإعلام الأمريكي تماماً حقيقة ان هذه الأنظمة الاستبدادية تحظى بدعم وحماية الولايات المتحدة كسياسة مقررة. إن الاستراتيجيين اليهود في الولايات المتحدة يدركون بالطبع ان شخصيات نخبوية أمريكية تتساءل من حين لآخر: إلى متى تبقى الولايات المتحدة على استعداد للتضحية بمصالحها الوطنية الحيوية من أجل الأقلية اليهودية وإسرائيل؟ ولإسكات أصوات مثل هذه الشخصيات فإن الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين على السلطة يتعمدون من حين لآخر اتخاذ خطوات دراماتيكية، بالاتفاق مع «أيباك» تبدو وكأنها «خروج عن النص» لإعطاء انطباع زائف بأن الادارات الأمريكية لا تستوحي في قراراتها وتحركاتها سوى المصالح الوطنية. من ذلك مثلاً ان الرئيس رونالد ريجان وافق خلال الثمانينيات على بيع دولة عربية عدداً من طائرات «أواكس» الاستطلاعية المتقدمة، في وجه «معارضة» من اللوبي اليهودي وإسرائيل. كان ذلك أثناء الحرب العراقية الإيرانية. وثبت لاحقاً انه كان لواشنطن هدف استخباراتي وهو رصد التحركات الإيرانية، علماً بأن تلك الطائرات كان يقودها طيارون أمريكيون. ويضرب مثل أيضاً بأن الرئيس جورج بوش (الأب)، الذي خلف ريجان، «تحدى» القادة الإسرائيليين بمنع السلطة الأمريكية من تقديم ضمانات مصرفية لقروض كانت اسرائيل تهدف لاستغلالها في تمويل بناء مستوطنات داخل الأرض الفلسطينية. وحتى لو افترضنا صحة هذا «التحدي» فإن النتيجة النهائية كانت سقوط بوش الأب في الانتخابات الرئاسية، رغم انه كسب لأمريكا حرب الخليج الثانية ضد العراق. ويكفي القول إنه كلما حلّ موعد انتخابات رئاسية في الولايات المتحدة، فإن المرشحين النهائيين يتباريان في مناظرة أمام أعضاء هيئة المنظمات اليهودية.. ومحور المباراة هو أيهما أشد حرصاً على أمن وبقاء إسرائيل.