وقعت الواقعة، ودكت مساكن مخيم جنين فوق رؤوس ساكنيها، ومن لم تخترق قذائف دبابات «ام 60» أو صواريخ مروحيات الاباتشي جسده، تكلفت به رصاصات القناصة في مشاهد قتل واعدام جماعي، ينفطر لها قلب ارهابي وقرصان عصر الغاب الذي يجسد نظيره الصهيوني على بلادة حسه الانساني، وتمتعه بكل هذا القدر من جنون القتل كوسيلة وحيدة لاثبات الجنون، أو كما قال معلمهم الصهيوني زعيم عصابات شتيرن «أنا أقتل إذن انا موجود» في تحوير ارهابي مبتكر لمقولة الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت التي جاءت كشعار للفلسفة الاوروبية الحديثة في حلتها المثالية، قبل ان تدهسها الأحذية الثقيلة للبراجماتية الامريكية. وفي ظل تعتيم اعلامي، وفي وقت اضافي منحه له الجالس في البيت الأبيض يطارد كوابيس معركته العبثية، تمكن ارهابي القرنين العشرين والحادي والعشرين ارييل شارون من تنفيذ أحدث مجازره ضد الفلسطينيين، مستعينا في آن معاً بالاسلحة والذخائر العسكرية الامريكية، وبيانات النفاق السياسي والتبرير الامريكي للتغطية على جرائمه وتحويرها الى معركة دفاع عن النفس الامارة بالسوء الشبقة للدماء المراقة أنهارا، يغتسل فيها القتلة في طقس شيطاني صهيوني جديد، على ايقاع «التانجو» الامريكي الذي يزف الى عالمنا ديوان الخراب وترانيم العار الطامس لكل ميراث الانسانية من قيم الحرية والمساواة والتآخي. وقعت الواقعة، ولم يُرفع الستار عن مشاهد المجازر المطمورة تحت الانقاض والمحجوبة بفعل مسرحية الهزل السياسي والعبث التي تتوزع أدوارها ما بين واشنطن وتل أبيب، الثانية تقتل وتدمر وتنكل بجثث الشهداء، وتدنس مهد المسيح، وتقصف أديرة كنيسة المهد المقدسة، والأولى تطلق أحاديث الإفك لتخدير الواهمين الواهنين المذعورين من بطشة «الكاوبوي» بهم، فتخرس ألسنتهم، وتحورها الى ألسنة أعجمية أو عبرية تفارقها فصاحة العربية التي تحرق أستار الباطل دوماً، فلا يصدر عنهم سوى همهمات العاجز الغارق حتى نخاعه في اثمه وخطيئته فلا يقدر حتى على الاشارة بإصبعه الى قرص الشمس في قلب السماء، فعيونهم معلقة غائمة لا ترى سوى أشباح شياطينهم. وقعت الواقعة، وكتب علينا ان نعايش من مواقع «الكورس» ملحمة البطولة الباسلة دون ان نفعل ما يوازي تضحيات الاستشهاديين الذين افتدوا بأغلى ما يملكون، أرخص ما نحن حريصون عليه، فاستوطنت قلوب الشرفاء منا وخزة العجز، فيما الأدعياء المرتهنة أرواحهم للشيطان والمطروحة ضمائرهم في سوق النخاسة يعزفون لحنا نشازا للتنكيل بأرواح الاستشهاديين، ولا تعرف وجوههم الكالحة حمرة الخجل من انكشاف سوءة السقوط في بئر الخيانة، ليس للوطن أو للأمة فقط، بل لقيمة الانسان بقدر ما هو انسان، وللحقيقة المحاصرة بين الأنقاض في جنين. وقعت الواقعة، ليس لها من دون الله كاشفة، وكتب على أمهاتنا ان يمتن قهراً وكدراً أمام شاشات الفضائيات حزنا على مجازر شارون لابناء جنين، وعلى بناتنا وأبنائنا شهداء معركة الكرامة العربية والاسلامية، فيما الممسكون بالصولجان يتلهون بالحكمة الزائفة، ولا تصدر عن أفواههم حتى كلمة حق قالها أعاجم في أوروبا ودمغوا الارهابي بفعلته وجريمته ولوّحوا له بالعقاب. وقعت الواقعة، وانشقت الأرض عن حقيقة ظلت مدفونة تحت ركام التعايش مع الوهم والتبرير والتدجين، وطلب البراءة من القاتل للضحية، وحان وقت الحساب إن آجلاً أو عاجلاً، فالتاريخ لن يرحم أحدا، ورغم أنف كبار المزورين لسجلات التاريخ، ستبقى مجزرة جنين تنورا لنيران الغضب العربي والإسلامي، تنصهر داخله الارادة.. ارادة الثأر، ليس من الارهابيين الصهاينة فقط، بل من كل أفراد جوقة الشر والاذعان.. ولمن لم يصدق أقول له: ألم تر الأطفال من قرى مصر يزحفون للتسلل الى فلسطين الجريحة وطالبات الجامعات ينشدن الشهادة اقتداء بالاستشهاديات الفلسطينيات «عندليب» و«وفاء ادريس» ردا على زيف بوش وامتداحه الارهابي شارون واعتباره رجل سلام.