ترجع بداية معرفتي بجائزة العويس إلى بدايتها التي ارتبطت بدورتها الأولى لعامي 1988 - 1989. وكنت وقتها في صنعاء ضيفا على الجامعة اليمنية التي يرجع الفضل في ازدهارها وتقدمها إلى الصديق الشاعر الكبير، الدكتور عبد العزيز المقالح. وكنا في المقيل نتبادل أحاديث الثقافة ونتأمل مشكلات الإبداع العربي، فالمقيل اليمني منتدى ثقافي من طراز متميز، يرقى بنوعية حضوره ورواده من أعلام الثقافة اليمنية المعاصرة، وشرق بنا الحديث وغرب إلى أن أخبرنا عبد العزيز المقالح بأن أحد اثرياء الإمارات خصص من أمواله جائزة مالية كبيرة في أربعة فروع من فروع الثقافة : فرع الشعر، وفرع القصة والرواية والمسرحية، وفرع الدراسات الأدبية والنقد،وفرع الدراسات الإنسانية والمستقبلية. ومضى عبد العزيز المقالح قائلا : إن الجائزة تشكلت لها لجنة تحكيم، وإن اتحاد كتاب الإمارات هو الذي يشرف على تسييرها، وإن الجائزة أعلنت بالأمس، وفازت بها الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان في الشعر، وفاز بها سعد الله ونوس في المسرح كما فاز حنا مينا في الرواية، أما فرع النقد والدراسات الأدبية ففاز فيه الدكتور علي جواد الطاهر من العراق ومعه جبرا إبراهيم جبرا الفلسطيني الأصل والعراقي الإقامة، وختم عبد العزيز المقالح معلوماته بقوله إن الجائزة حجبت في مجال الدراسات الإنسانية والمستقبلية. وسرعان ما أثارت هذه الأخبار شهية الحضور إلى الحديث حول هذه الجائزة الجديدة. أبدى بعضنا خوفه من سيطرة رأس المال على الجوائز الثقافية، وذلك بتبرير مؤداه أن الأثرياء قد يدفعون من أموالهم جوائز بقصد استجلاب الشهرة والترويج لأسمائهم، وأن عملهم قد لا يخلو من هوى، وقد يفتقر إلى الموضوعية، وأبدى البعض الآخر خوفا مقابلا من عدم استمرار الجائزة، وأنها قد تكون نزوة سرعان ما تنتهي، أو سرعان ما تتوقف لانحراف مزاج صاحبها. لكن هذا الخوف قابله استبشار من أغلب الحضور الذين اتفقوا على أن المهم في الجائزة هو توجهها، كما أن قيمتها رهن بالأسماء التي تحصل عليها ولا بأس على الأثرياء العرب لو أنفقوا من مالهم في سبيل العلم والثقافة، فهذا النوع من الإنفاق تكريم لأصحابه ودعم لمجالات العمل الثقافي وحقول الإبداع المختلفة. وأحسبني استشهدت في هذا الإتجاه بأسماء عالمية شهيرة أقامت بأموالها مؤسسات علمية وثقافية، وقدمت تمويلا لجوائز سرعان ما أصبحت حديث العالم، ونالت احترام العالم كله وتقديره، وحفرت لمن بذلوا لها من أموالهم مكانة متميزة في صفحات التاريخ. وذكرت اسم الفريد نوبل الذي بذل من ثروته الهائلة التي جمعها من اختراع البارود ما جعل اسمه مخلدا بواسطة جائزته التي لا تزال مستمرة منذ دورتها الأولى 1901، وحفلت قوائم الحاصلين عليها بأسماء أعظم العقول التي أنجبتها البشرية في القرن العشرين.ومضيت في تعداد الأسماء التي أعرفها على امتداد العالم، إبتداء من فورد وروكفلر، وانتهاء بأمثال كارنيجي وغيره من الذين اقترنت أسماؤهم بمؤسسات وجوائز لاتزال تقدم خدمات للبشرية، وأحسبني قلت : إن الأثرياء العرب مقصرون إلى أبعد حد في هذا الجانب، خصوصا في منطقة الخليج التي تراكمت الثروات فيها وتضاعفت، وبدل أن يسهم أصحاب هذه الثروات في تكريم أنفسهم بالعلم والثقافة فإنهم يكنزون الثروة، أو ينفقونها على ما لا ينفع أوطانهم وشعوبهم. وأخذني الحماس قائلا : إنه إذا ظهر من الدول النفطية من يقدم العون للثقافة، أو يكرم العلم والعلماء، فهو الجدير بالفضل والشكر والتشجيع، وأن علينا أن ننظر إلى ناتج عمله. ويبدو أن حماستي انتقلت عدواها إلى الصديق الذي كان يجلس إلى جواري، فاندفع إلى التعقيب على كلامي، مؤكدا موافقته على ما قلت. وكان دليله على ذلك أمرين، أولهما الطابع القومي للجائزة التي فازت بها فلسطينية (فدوى طوقان) كما فاز بها فلسطيني عراقي (جبرا إبراهيم جبرا) وعراقي خالص (علي جواد الطاهر) وسوريان هما ونوس وحنا مينا، وأن توزيع الجائزة على أكثر من قطر عربي دليل على توجهها القومي، وإنها إذا لم تصب هذا البلد العربي أو ذاك في دورتها الأولى، فلاشك أن البداية تنبئ عن خطى المسار القومي القادم الذي لابد أن يتوزع على الأقطار العربية كلها دون تمييز. ويكفي هذه الجائزة الإماراتية في بدايتها أنها برئت من النعرة الإقليمية، ولم تحشر أحد كتاب الخليج فيها بحجة أنه ابن للديرة وأنها لجأت إلى نظام موضوعي من التحكيم الذي جاوز الدائرة الإقليمية الضيقة إلى الدائرة القومية الواسعة. أما الأمر الثاني فيتصل بالأسماء التي نالت الجائزة، وكلها أسماء أجمع الحضور على تقديرها. صحيح أن واحدا من الجالسين ذهب إلى أن هناك من الأسماء في بعض المجالات من يفضل بعض الأسماء الفائزة، ولكننا رددنا عليه بأننا لا نعرف إذا كانت الأسماء التي ذكرها قد ترشحت للجائزة أم لا، ولكن كل الأسماء التي حصلت على الجائزة الأولى لا يختلف أحد على تميزها. ولم أكن أعرف وقتها أن لجنة التحكيم التي قامت باختيار هذه الأسماء الفائزة ضمت صديقي الدكتور إبراهيم غلوم من البحرين، ورجاء النقاش وأحمد حجازي وراجي عنايت من مصر، وسهيل إدريس من لبنان، وإحسان عباس من الأردن، ومحمد عابد الجابري من المغرب، وكلها أسماء لها وزنها على تفاوت أعمار أصحابها وتنوع خبرات كل واحد منهم، وأن الانتماء القومي والتميز العلمي يجمع الأسماء كلها فيما يؤكد تميز الجائزة، وما يوجب الثناء على صاحبها الذي أخذنا نتساءل حوله. وذكر لنا بعض الحضور اسم سلطان بن علي العويس الذي تربى من صغره على التجارة، وأنه نجح نجاحا باهرا في تجارة اللؤلؤ، فكان من الطواشين الماهرين مثل والده، وأنه أضاف إلى ثروة والده أضعاف أضعافها بتوسيعه مجالات نشاطه التي امتدت إلى مجالات كثيرة ولا أذكر إذا كان أحد الحضور قد أضاف صفة الشاعر إلى سلطان العويس أم لا، أو تحدث عن ميوله الأدبية، فقد جرنا الحديث حول جائزته إلى الحديث عن انجاز كل واحد من الذين حصلوا عليها، وكان النصيب الأكبر لشعر فدوى طوقان ومسرح سعد الله ونوس وروايات حنا مينا ودراسات جبرا التي أسهمت في تأسيس الحداثة العربية المعاصرة. ومضت الأيام، وعدت إلى القاهرة، ونسيت أمر الجائزة إلى أن فوجئت بخطاب يبلغني أن القائمين عليها قد استقر رأيهم على اختياري محكما في مجال النقد الأدبي الذي تخصصت فيه، وذلك للدورة الثانية من الجائزة 1990 - 1991، وأنهم سوف يرسلون لي الانتاج المرشح لفحصه خلال ما يكفيني من الوقت، ووافقت من فوري بعد أن عرفت من أحوال الجائزة ما زادني حماسة لها، وسرعان ما وصل إلى منزلي شحنة هائلة من الكتب التي ظللت أفحصها، إلى أن استقر رأيي النهائي على اختيار الدكتور إحسان عباس دون غيره في مجال النقد الأدبي، وأعددت تقريرا تفصيليا بالمبررات التي انتهيت إليها، فضلا عن التقارير المجملة عن أعمال الآخرين. ومرت الأشهر، ودعيت إلى دبي لاجتماع هيئة التحكيم التي اكتشفت أنها تضم إبراهيم غلوم وعلوي الهاشمي من البحرين، وخلدون النقيب من الكويت، وسهيل إدريس من لبنان،وشاكر مصطفى من سوريا، وعز الدين إسماعيل ورجاء النقاس من مصر. ومرت اجتماعات التحكيم في سلام، وحصل اجماع كامل على اختيار إحسان عباس في النقد، وبعد النقاش استقر رأينا على المناصفة بين عبد الرحمن منيف الروائي وألفريد فرج الكاتب المسرحي، وطال النقاش حول زكي نجيب محمد وفؤاد زكريا بما أدى بنا إلى قسمة جائزة الدراسات الإنسانية بينهما. وكانت هناك خلافات حول الشعر، فقد كان من بين المرشحين محمد مهدي الجواهري شاعر العراق العظيم وأحمد حجازي من مصر وسعدي يوسف من العراق والبردوني من اليمن،وقد رأينا من الظلم إدخال الجواهري في منافسة مع أجيال لاحقة عليه، فاقترحت تخصيص جائزة خاصة له، ومنح الجائزة الأصلية لواحد من الشعراء المرشحين، فاستقر الأمر على سعدي يوسف. ونقلنا اقتراحا إلى سلطان العويس الذي حضر إلينا بعد أن أنهينا عملنا، وفرغنا منه، واستمع إلى اقتراح منح جائزة إضافية خاصة إلى الجواهري، فسعد بالاقتراح جدا لإعجابه الشديد بالجواهري وشعره، وتقرر إضافة جائزة جديدة باسم جائزة الإنجاز الثقافي والعلمي التي كان المرحوم محمد مهدي الجواهري أول الحاصلين عليها. وخلال الأيام المعدودة التي قضيتها في دبي ازددت معرفة بسلطان العويس الذي فتنتني شخصيته المتواضعة الدمثة الخلوقة الأصيلة إلى أبعد حد، وكان وجهه الذي تضيئه بسمة حانية لرجل خبر الدنيا والناس تسطع فيه عينان بعيدتا الغور، وحكى لنا في مجالسه التي جمعتنا به الكثير عن حياته، وقرأ لنا بعض قصائده التي كان من أجملها قصيدة عمودية عن قبلة انطبعت على البياض الناصع لدشداشته، أو دشداشة الشاعر الغزل، وعرفت حبه للشعر وشاعريته عن قرب، كما عرفت أنه نشأ في بيت علم وأدب، وأن نشأته قادته إلى الكتابة التي حالت التجارة بينه وبين التفرغ لها، كما عرفت أن الشعر فرحة المختلس الذي ينتزعه من عالم المادة والمال إلى عوالم الروح والوجدان، وأن عشقه للشعر هو الذي جعله يتحمس لفكرة تمويل جائزة جديدة تحمل اسمه، فأوقف من ماله ما يخصص ريعه للجائزة. وقد حدثنا عن حلمه بتطوير الجائزة التي كانت تحت إشراف اتحاد كتاب وأدباء الإمارات لكي تغدو مؤسسة مستقلة قادرة على البقاء بعده والاستمرار في عملها إلى مالا نهاية.