قبل ان يذيع الرئيس الامريكي جورج بوش بيانه الشامل الاخير، الذي خصصه للحديث عن الصراع العربي ـ الاسرائيلي، في ضوء التطورات الاخيرة المتمثلة باجتياح مدن وقرى الضفة الغربية ومحاصرة الرئيس عرفات، وشل سلطته الوطنية، كان ادلى بتصريح لافت اكد فيه ان الولايات المتحدة لن تغير استراتيجيتها في الشرق الاوسط، بغض النظر عن الوقائع اليومية وتفاصيلها. وقد جاء هذا التأكيد في اعقاب جولة نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني في المنطقة، التي اعتبرت فاشلة، لان الاخير لم يجد لدى المسئولين العرب الذين التقاهم التجاوب المطلوب فيما يخص الضربة الامريكية المعدة ضد العراق، بل سمع كلاما عن القضية الفلسطينية ومطالبة جماعية بايجاد حل سريع لها.لقد اكتشف بوش، بعد جولة نائبه الشرق اوسطية، ان ثمة تناقضا بين اولويات ادارته واولويات الدول العربية، ففي حين يعتبر الرئيس الامريكي موضوع مكافحة الارهاب ـ وضمنه التخلص من النظام العراقي، بذريعة ان العراق يملك اسلحة دمار شامل ـ اولوية مطلقة، فان الموضوع الفلسطيني يرتفع الى هذه المنزلة واكثر بالنسبة للدول العربية نظرا لتأثيراته البالغة عليها، بصورة مباشرة وغير مباشرة. التواطؤ الامريكي ولا يحتاج المرء الى كثير من الجهد ليثبت ان الاجتياح الاسرائيلي لمناطق السلطة الفلسطينية، ليس بسبب عملية نتانيا الاستشهادية ـ كما قيل في حينه ـ بل لأن الادارة الامريكية اعطت ضوءا اخضر لحكومة شارون لبدء حربها المفتوحة ضد الفلسطينيين، على الرغم من اعلان مواقفتها على المبادرة السعودية الخاصة بانهاء الصراع العربي ـ الاسرائيلي. والرئيس الامريكي لم يبذل اي جهد لاخفاء هذه الحقيقة، بل على العكس من ذلك فقد تعمد اعلانها تكرارا، وفي بيانات يومية مكتوبة، محملا السلطة الفلسطينية والرئيس عرفات شخصيا، مسئولية ما حدث في الاونة الاخيرة، بما في ذلك الاجتياح الاسرائيلي، وذلك تحت ذريعة ان اسرائيل تدافع عن نفسها. واذا ما حاولنا ترجمة اعلانات الرئيس بوش الاخيرة، بما فيها تأكيده التمسك باستراتيجية ادارته في الشرق الاوسط، نجد امامنا مجموعة من الاهداف الامريكية ـ الاسرائيلية المترابطة، عنوانها الرئيسي «مكافحة الارهاب». اول ما ينبغي الاشارة اليه في هذا السياق هو ان الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وكما بات واضحا، لم يدخل ضمن اهتمامات ادارة الرئيس جورج بوش في اي وقت من الاوقات. وحتى بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر وتداعيها المختلفة ظل هذا الموضوع في حد ذاته، خارج نطاق هموم الادارة الامريكية. لكن الحكومة الاسرائيلية سعت بالحاح لربط ما يحدث في المناطق الفلسطينية المحتلة، على صعيد التحركات الشعبية المتعددة الاشكال، بموضوع الارهاب، وهو الامر الذي لاقى تجاوبا كبيرا لدى واشنطن. وقد لعب انصار اسرائيل داخل الادارة الامريكية، وفي مقدمتهم نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، دورا اساسيا في ذلك، حيث نجحوا في استدراج ادارة بوش الى هذا المنزلق، ثم بات الجانبان وكأنهما يخوضان حربا واحدة مشتركة. انكشاف النوايا ان الاندماج الذي حدث في صورة متدرجة، بين السياستين الامريكية والاسرائيلية، تحت شعار «مكافحة الارهاب» حول ادارة بوش الى غطاء كامل لكل ممارسات حكومة شارون داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة. وبذلك فقدت المبادرات، او الافكار التي طرحتها هذه الادارة في شأن اقامة دولة فلسطينية، قيمتها وفعاليتها وغدت مجرد كلام في الهواء ليس له اي معنى أو تأثير، وبدلا من ان تسجل الادارة الامريكية تقدما في تعزيز تحالفها ضد الارهاب، وجدت تشككا متزايدا بنواياها من قبل الذين توجهت اليهم في المنطقة، اذ اكتشف الجميع ان محصلة التحركات الامريكية انما تصب كلها في مصلحة التوسع الاسرائيلي. والاستنتاج الذي يمكن الخروج به من هذه المواقف الامريكية، الفائقة في تحيزها لاسرائيل، هو ان ادارة بوش حسمت امرها في اتجاه ادارة ظهرها لعلاقاتها العربية، حتى بالنسبة للدول التي ترتبط معها بصداقات تاريخية. ودافعها الى ذلك ان تحالفها مع اسرائيل أكثر اهمية لها ولمصالحها في المنطقة، خاصة ما يتعلق بمكافحة الارهاب. كذلك فان الدول العربية، التي تبدو في حال من التفكك والضعف لا تحسد عليها، ليس في مقدورها، ان تشكل خطرا على مصالحها، او حتى ان تنفرد بسياسات معاكسة للاستراتيجية الامريكية، سواء في منطقة الشرق الاوسط او في اي منطقة اخرى من العالم. ومع ان الادارة الامريكية لم تكن بحاجة الى ادلة جديدة لاثبات عجز الدول العربية عن التصرف منفردة في موضوع الصراع مع اسرائيل، فقد اكتشفت خلال الاسابيع الاخيرة ان اقصى ما تستطيعه هذه الدول، مجتمعة او متفرقة، هو التوجه اليها بالمناشدة لكي تخفف من انحيازها ودعمها لاسرائيل، ولعل هذا الواقع بالذات هو الذي سمح لارييل شارون بشن حربه الجديدة على الفلسطينيين من دون ان يخشى شيئا: لا رد الفعل الرسمي العربي ولا اي موقف امريكي يمكن ان يحول دون مواصلة اجتياح المناطق الفلسطينية، ولا ـ طبعا ـ موقف مجلس الامن الدولي، الذي يبدو عاجزا تماما عن تنفيذ اية اجراءات رادعة، برغم ما يرافق الحملة العسكرية الاسرائيلية من انتهاكات خطيرة ضد المدنيين والمؤسسات الطبية ووسائل الاعلام، وكل المنشآت المدنية التي تتعرض لتدمير منهجي لم يشهد العالم مثيلا له من قبل. مساومة وابتزاز من الملاحظ ان التحرك الامريكي الاخير، الذي بدأ باطول بيان مكتوب يدلي به الرئيس بوش حتى الآن، ثم تطور مع جولة وزير الخارجية كولن باول في المنطقة، انطلق على وقع اندفاع الالة العسكرية الاسرائيلية الضخمة نحو المدن الفلسطينية، وكأنهما يسيران «كتفا» الى «كتف»: واحد يضغط عسكريا والاخر يضغط سياسيا. ولعل اغرب ما شهده وسمعه العالم في هذا المجال هو انه بدلا من تدجين الضغط نحو اسرائيل لوقف عدوانها الخطير فورا، واصل الرئيس الامريكي ضغوطه على السلطة الفسلطينية، المحاصرة والمعزولة والمشلولة، والمغيبة كليا، طالبا منها «وقف اطلاق النار»!! ماذا تريد الادارة الامريكية الآن؟ المحللون، الذين لاحظوا ان ادارة الرئيس جورج بوش منحت شارون وقتا كافيا لتحقيق اهداف حملته العسكرية، يعتقدون ان هذه الادارة لا تريد ايجاد تسوية للقضية الفلسطينية حاليا، بل تريد تحقيق فترة هدوء طويلة يتم خلالها الاكتفاء بتداول المبادرات والافكار الخاصة بالتسوية السلمية، ولكن دون تنفيذ أي شيء منها، مع التركيز على حسم موضوع الحملة العسكرية الامريكية ضد العراق في الوقت نفسه. واذا كانت ادارة بوش غير مستعجلة بالنسبة للقضية الاولى، كما دلت خطواتها الاخيرة، فهي مستعجلة جدا بالنسبة للقضية الثانية. والحال، فان قمة بوش ـ بلير في مزرعة الرئيس الامريكي الاسبوع الماضي، حملت الكثير من المؤشرات حول نوايا الطرفين حيال الموضوع العراقي. وهكذا تعود المساومة الامريكية لتأخذ شكلها الحقيقي: قفوا معنا ضد العراق، نحاول معكم لاحقا اعطاء شيء للفلسطينيين. بيد ان هذه المساومة تجري على اساس النتائج التي انتهت اليها حملة شارون العسكرية حيث اعاد احتلال المناطق الفلسطينية بكاملها، ودمر كليا البنى التحتية لكل ما يتصل بالسلطة الوطنية الفلسطينية او يرمز اليها. ولذلك فان عملية الابتزاز الامريكية تتركز الآن على امرين: التخلص من الرئيس ياسر عرفات وسلطته الوطنية نهائيا، وتشكيل ما تسميه اسرائيل ـ ومعها ادارة بوش ـ «قيادة فلسطينية بديلة» قادرة على التعامل مع الوضع الجديد. العودة الى الصفر والدول العربية تدرك تماما ان مثل هذا الطرح يعيد الامور الى مرحلة ما قبل اوسلو، كما يفجر صراعات فلسطينية ـ فلسطينية خطيرة ستكون لها انعكاساتها المخيفة داخل الدول العربية نفسها، وحيث يتوزع اللجوء الفلسطيني على نحو اخص. ومعنى ذلك اعادة نقل المشكلة الفلسطينية الى داخل الدول العربية وسيادة اجواء العنف من جديد، وهو ما يعطي اهمية اكبر للحملة الامريكية ضد الارهاب، كما يعزز بالتالي، دور اسرائيل في المنطقة ويزيد حاجة واشنطن اليها. ليس في سلوك الادارة الامريكية ومواقفها، المعلنة والمستترة، ما يطمئن الدول العربية الى نواياها، لا بالنسبة الى الموضوع الفلسطيني، ولا بالنسبة الى الموضوع العراقي. بيد ان العجز التقليدي الذي تعاني منه يجعل رضوخها امام الضغوط الامريكية امرا لا مفر منه، برغم حركة الشارع العربي التي تسير الى العكس تماما. ولكن اذا ما سارت الامور على هذا النحو، المخطط له، امريكيا واسرائيليا، فلنا ان نتوقع مرحلة طويلة جدا من عدم الاستقرار في المنطقة يكون العنف ابرز تجلياتها، ويكون لاسرائيل الدور الرئيسي فيها. ـ كاتب لبناني مقيم في باريس