هل يعتبر النداء المتكرر الصادر عن الرئيس بوش الى الحكومة الاسرائيلية مطالباً اياها بوقف حملتها الدموية الضارية في الاراضي الفلسطينية وسحب قواتها «فوراً» تحدياً للوبي اليهودي داخل الولايات المتحدة؟ هذا السؤال طرحه نقاشياً احد كتاب مجلة «ايكونومست» اللندنية ليجيب عنه بالايجاب حتى يخلص الى النتيجة النهائية التي ارادها، وهي ان ما يروى عن النفوذ اليهودي داخل مؤسسات السلطة الامريكية «مبالغ فيه». غير ان المهم ليس السؤال في حد ذاته وانما الظرف الزماني والمكاني الذي يطرح فيه، فمن حيث الظرف المكاني تثار هذه الايام مسألة النفوذ اليهودي بصورة غير مألوفة داخل الولايات المتحدة وبلدان اوروبا معاً. ومن حيث الزمان تترافق هذه الاثارة مع الضجة المتعاظمة في الغرب حول وحشية الحملة التي ظلت تشنها اسرائيل منذ اواخر مارس المنصرم ضد الشعب الفلسطيني. وهي ضجة متنامية انتقلت من دائرة التعليق الاعلامي التنظيري الى الشارع لتتخذ شكل مظاهرات ضخمة في العواصم الاوروبية بصورة خاصة. مقالة مجلة «ايكونومست» اللندنية التي تحاول اقناع القراء بأن النفوذ اليهودي على آلية صنع القرار الامريكي ليس بالقوة التي يبدو عليها، تعبر ضمناً اذن عن حالة من القلق الدفين في الاوساط الرأسمالية الغربية التي تخاطبها وتعبر عنها في الوقت نفسه هذه المجلة، من تنامي المشاعر «المعادية للسامية»، ليست في الاوساط الجماهيرية الغربية فحسب بل ـ والاخطر من ذلك ـ بين صفوف النخب الثقافية والاكاديمية. والتساؤل الكامن وراء الموجة الاحتجاجية داخل الولايات المتحدة بصورة خاصة هو: هل تستوحي الادارات الامريكية المتعاقبة الخطوط الاساسية للسياسة الخارجية الامريكية من متطلبات المصالح الوطنية الحيوية للولايات المتحدة والشعب الامريكي، ام من مصالح الدولة الاسرائيلية ومتطلبات حمايتها واجندة اللوبي اليهودي الامريكي بوجه عام حتى لو تعارضت مع مصالح الشعب الامريكي؟ ولنعد الى السؤال الاول الذي طرحه كاتب «ايكونومست».. وبقليل من التفحص سوف ندرك ان الصيغة مغلوطة. فالرئيس بوش لم يتحد اللوبي اليهودي بمطالبة اسرائيل بسحب قواتها من المدن الفلسطينية، وانما اللوبي اليهودي هو الذي تحدى الرئيس الامريكي بالايعاز الى شارون برفض طلب الانسحاب. ان ما حمل الرئيس بوش على اصدار نداءاته المتكررة الى اسرائيل بوضع نهاية فورية لحربها الضارية ضد الشعب الفلسطيني، هو دافع دعائي لتطمين الانظمة العربية الصديقة للولايات المتحدة بأن واشنطن اتخذت «موقفاً» بينما هو في الحقيقة متواطئ مع ارييل شارون، و«متفهم» لأهداف الحملة الاسرائيلية. والسؤال الذي يطرأ على هذا السياق هو: هل يتصرف الرئيس الامريكي في هذه الحالة بوحي من المصالح الوطنية الخالصة للولايات المتحدة وشعبها؟ ربما يقول قائل ان الولايات المتحدة مطمئنة الى مصالحها الحيوية في العالم العربي من خلال الانظمة الحاكمة، حتى مع التأييد الامريكي الجهري والفاضح للعدوانية الاسرائيلية ضد الفلسطينيين. قد يكون هذا صحيحاً على المدى القريب المرئي. لكن الرئيس الامريكي ـ اي رئيس امريكي ـ يعلم علم اليقين انه باستمراره في هذا المسلك انما يعرض المصالح الامريكية لمخاطرة جسيمة على المدى البعيد. وربما لا يكون هذا المدى بعيداً حقاً اذا اخذنا في الاعتبار عوامل المفاجأة. اذ كلما امعنت واشنطن في تأييد الدولة اليهودية ودعمها على حساب العرب، كلما تضاعف الشعور العدواني العام في العالم العربي ضد الولايات المتحدة ـ وبالتالي تزداد جسامة الاخطار التي يمكن ان تتعرض لها الانظمة العربية. غير ان الرؤساء الامريكيين لا يفكرون بهذه الطريقة. فالهاجس الاعظم للرؤساء المتعاقبين هو استرضاء اللوبي اليهودي. وحتى قبل ان يصير الرئيس رئيساً فانه يدرك انه لا امل له في الفوز الانتخابي كمرشح رئاسي اذا كان يحمل اجندة تتناقض مع اجندة مجلس المنظمات اليهودية الامريكية.فالاخطبوط الصهيوني في الولايات المتحدة يتمدد ليس على صعيد المؤسسات السلطوية فحسب، بل يشمل ايضاً المؤسسات الاقتصادية المفتاحية والشبكات الاعلامية الكبرى.