(داني إيلون ) من الأسماء الصاعدة للأسف في مضمار الدبلوماسية الإسرائيلية حيث يعمل مستشارا سياسيا لرئيس الوزراء (ارييل شارون) وبهذه الصفة أجرت معه شبكة (سي.إن.إن)، حديثا بثته في الفترة القريبة الماضية - بمعنى أن الحديث كان يدور بين المسئول الصهيوني والاعلامي الأمريكي بينما كانت دبابات شارون تجتاح المخيمات المدنية وكانت طائرات الاف -16 ومروحيات الأباتشي تحارب على أرض الضفة الغربية - الفلسطينية - جيوش، الأطفال والنساء والمسنين القابعين في القرى والبلدات الصغيرة ومخيمات اللجوء. طرح مذيع «سي.إن.إن» سؤالا يتعلق بالأحوال في الضفة الغربية (المحتلة ) كما وصفها المذيع الأمريكي، انتفض المسئول الصهيوني كمن لدغه عقرب مسموم وبادر محدثه الأمريكي كي ينبهه إلى خطأ وصف الضفه الغربية بأنها (محتلة) ثم استرسل داني إيلون قائلا على نحو ما تنقله صحيفة هآرتس الإسرائيلية (عدد 9/4/2002). نحن لسنا محتلين إن هذه البلاد يقصد فلسطين وربما يقصد غيرها في وطن العرب أعطيت لنا من جانب الرب! وهذه الأراضي التي تتحدثون عنها هي مسقط رأس شعب إسرائيل وفيها ظل هذا الشعب يبني نفسه خلال 4000 سنة ولذلك فلسنا محتلين ولست أعتقد أن هناك شعبا في العالم على استعداد لتقديم تنازلات عن قطعة من أرض أجداده! وفي معرض التعليق - نقول أن (داني إيلون ليس مسئولا ثانويا في منظومة السياسة الخارجية للإدارة الصهيونية الراهنة فثمة معلق سياسي اسمه) عكيفا الدار (يكتب في هآرتس أيضا) نفس العدد الذي أشرنا إليه مؤكدا أن المذكور أعلاه كان وليس غيره موفد شارون لشرح السياسة التي تتبعها حكومة إسرائيل في أكثر من عاصمة سواء في أوروبا أو أمريكا وفي بعض الأقطار العربية. والمعنى أن ما يعبر عنه المذكور هو تجسيد حقيقي واقعي لما تتبناه إدارة شارون من أفكار وما تصدر عنه من منطلقات ومعتقدات. معناه أن إسرائيل لا تتعامل مع الضفة الغربية ولا قطاع غزة بوصفهما أرضا محتلة ، وبالتالي لا ترى في نفسها قوة للإحتلال ولا سلطة لاغتصاب الأرض وقهر سكانها. الاحتلال عندهم مشروع العكس هو الصحيح عند أركان النظام الصهيوني: أن كل ما يفعله شارون، كل ما ترتكبه منظومته العسكرية هو في التحليل الآخر عملية تأمين أن لم تكن إجراءات مشروعة يمليها ـ كما يعتقد هو ـ واجب الدفاع عن النفس بعد أن ضربت أمريكا النموذج الأول حين رفعت ثم طبقت شعار الحرب ضد الإرهاب في أفغانستان وربما في أماكن ومواقع أخرى من خريطة العالم كما أعلن رامسفيلد وزير دفاعها وجاوبه وأكد عليه أشكروفت وزير العدل والقانون في إدارتها الحاكمة في البيت الأبيض وهو أيضا ما لايزال يسطره ويكرسه المتخصصون المحترفون في البيت الأبيض من كاتبي خطب الرئيس جورج بوش. شعار أمن الوطن ليس صدفة مثلا أن تشترك تل أبيب وواشنطن في تعابير واحدة مستخدمة في الأدبيات السياسية المطروحة في الوقت الراهن على لسان أكبر المسئولين في إسرائيل والولايات المتحدة وعلى رأس هذه التعابير المصطلح الشهير الذي يقول. أمن البلد أو سلامة الوطن (هوم لاند سيكوريتي) لقد استخدم الرئيس بوش هذا التعبير بكل دلالاته التي لا تخفي عندما تطرق إلى الأمن القومي الأمريكي ثم عندما تكلم عن أمن إسرائيل وأبلغ هذه الدلالات عند المواطن الأمريكي أنه يتعلق باليمين الرئاسية التي يقسمها رئيس الدولة - القائد الاعلى للقوات المسلحة حين يتولى مقاليد الأمور متعهدا - مثل أي رئيس لأي دولة وبحكم الدستور - أن يحافظ على أمن الوطن وسلامة أراضيه. ولقد تابعنا منذ أكتوبر الماضي وعلى وهج أحداث الحادي عشر من سبتمبر تكريس ذلك الشعار وتجسيده في إنشاء منصب وزاري يتولى شاغله المسئولية عن هذا الجانب من الأمن الوطني الأمريكي ويقدم تقاريره إلى الأمة عن طريق مجلسي الكونجرس. إننا نتوقف عند هذه القضية من جانبنا العربي محذرين من أن العدو الصهيوني يمارس لعبة تزييف سياسي وقانوني وفكري من أخطر ما يكون - هي لعبة إنكار الاحتلال الصهيوني - الإسرائيلي للأراضى العربية المحتلة في جولة الحرب الثالثة بعده يونيه عام 1967. وكما أن الحركة الصهيونية أقامت كيانها السياسي (إسرائيل) على دعائم من أفكار عنصرية، ودعاوى وأساطير منحوتة من مواريث تاريخية أضفوا عليها نصوصا قالوا أنها من التوراة وعمدوا في سياق هذا كله إلى لوي حقائق التاريخ وتشويه سجلات الشعوب في منطقة شرقي البحر المتوسط وشمال الجزيرة العربية - فها هم يواصلون عمليات التزييف - بالحذف والإضافة وبالتشويه والتبرير المستفز المكذوب لكي يلقوا في ذهنية العالم بعامة ، وفي ذهنية الشعب الأمريكي بشكل خاص بذور أفكار تقول: (أن السيطرة العسكرية والهيمنة العنصرية الإسرائيلية في الضفة الغربية وغزة لا ينطبق عليها وصف) الإحتلال وبالتالي فأي إجراءات تتخذ - مهما بلغت قسوتها هي أقرب إلى إجراءات الضبط لأوضاع داخلية. وهي عندهم إجراءات محاربة الإرهاب الذي يروع السكان المدنيين(الإسرائيليين بطبيعة الحال). وهي تكاد تتناظر مع الإجراءات التي ما برح يتخذها الأمريكيون في مجال مكافحة الإرهاب حيث التناظر والتماثل نشأ أصلا بين واقع ما اكتوى به الأمريكان في مأساة سبتمبر وبين ما ما يزعم الإسرائيليون انهم يكابدونه على يد عناصر (إرهابية) فلسطينية.. الخ. ونحن نحذر وننبه إلى ضرورة التصدي بضراوة من جانب العرب وبقدر لا نتورع أن نصفه بالشراسة السياسية والضراوة الفكرية والأكاديمية لهذا التشويه الإسرائيلي لواقع وجود استمرار الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع. تبرير استمرار الاحتلال وإذا كنا قد أشرنا إلى ما أعلنه مؤخرا سياسي ودبلوماسي إسرائيلي على شبكة سي.إن.إن فنحن نضيف أيضا ما صرح به مؤخرا كذلك أحد أساتذة القانون الدولي في إسرائيل وقد كان بدوره من أركان الدبلوماسية الإسرائيلية في المحافل الدولية حين بنى مقولاته الخبيثة على ركائز بسطها على النحو التالي: إسرائيل حين حركت قواتها العسكرية في يونيو عام 1967 كانت تخوض حربا دفاعية ضد (عدوان) عربي. وحين استولت إسرائيل على الضفة الغربية والقدس كانت الضفة تحت سيطرة الأردن. ولم يكن للأردن وقتها - يضيف الأكاديمي الصهيوني - ضفة قانونية ولا شرعية في تلك المناطق ولم يكن معترفا بسيادته عليها سوى بريطانيا وباكستان.وعليه فلم تكن تلك المناطق تشهد ما يسمى في أدبيات القانون الدولي باسم (فراغ السيادة) بمعنى عدم وجود دولة ذات سيادة بالمعنى القانوني المتفق عليه تسيطر على تلك المناطق، وبالتالي - هذا هو الأخبث والأخطر - فالوضع القائم في تلك الأراضي (الفلسطينية ) لا يشكل احتلالا ولا تعد إسرائيل قوة محتلة بل يصبح بوسع إسرائيل أن تحتفظ بتلك الأراضي على نحو دائم. هذا هو مجمل شديد التكثيف للمقولات الإسرائيلية المطروحة وسط عاصفة الاجتياح الذي مارسته ومازالت تمارسه النازية الصهيونية الجديدة ضد الشعب الفلسطيني. عوامل سلبية عديدة ونحسب أنهم يبذرون هذه المقولات هنا أو هناك بشكل عمدي مستفيدين من عوامل شتى يرونها في صالحهم من قبيل: ـ حالة العجز العربي الشامل (ونحن نرى أنه ليس عجزا عن الفعل الإيجابي بقدر ما أنه عجز عن التصور الجماعي لشكل هذا الفعل). ـ حالة الذعر العام في المجتمع الأمريكي مما يجعل أفراد هذا المجتمع على استعداد لفهم ما تتخذه إسرائيل من خطوات من جهة وعدم الاكتراث بإحتجاجات عربية وغير عربية من جهة أخرى. ـ حالة السيولة في المواقف السياسية غير الحاسمة ، ومن ثم غير المجدية أو الناجعة التي أصبحت ظاهرة تسود عالمنا الذي تميعت مواقفه بين سقوط كيانات وإندحار نظريات وأيديولوجيات واستبد به شعور اللاتيقن واللاحسم لدرجة تكاد توصله إلى موقف تلخصه كلمات بيت الشعر العربي التي تقول: (دع الأمور تجري في اعنتها) تأمل مثلا مواقف كيانات سياسية هائلة مثل الصين أو الهند دع روسيا - السوفييتية سابقا - وقارن بين مواقفها الراهنة ومواقفها في عام 1967 ضد العدوان الصهيوني دع عنك مواقفها ضد العدوان الثلاثي عام 1956 على أن تستعيد من هذه المقارنة ما قد يقوم من تظاهرات وما قد يتكرم به ألسنة الساسة والدبلوماسيين من معسول التصريحات، وما عليك سوى أن تتأمل تصريحات ساسة أوروبا الغربية - كثر الله خيرهم - وهي تنطوي على مزايدات على تصريحاتنا العربية الأصيلة ولكن دون طائل أو جدوى ، أنهم يدينون إسرائيل دون أن يفكروا مثلا في معاقبتها بفرض جزاءات اقتصادية أو خفض حصصها مع الإتحاد الأوروبي في مضمار الاستيراد أو التصدير رغم أن في جعبتهم في هذا المجال العديد. رأي أستاذ عربي وإذا كنا ننبه الأوساط العربية إلى هذه الإدعاءات الإسرائيلية التي تنكر وجود إحتلال صهيوني للأراضي الفلسطينية ، فقد نحيل في هذا السياق إلى ما كتبه قانوني عربي متخصص هو الدكتور محمد عبد السلام سلامة - أستاذ التحكيم الدولي (الأهرام ، 1242002 حين قال: ان الادعاء بغياب السيادة على الضفة الغربية والقدس الشرقية يتجاهل حق الشعب الفلسطيني ـ الموجود في هاتين المنطقتين - حقه في تقرير مصيره وهو الأمر الذي تعترف به الإتفاقيات والمواثيق الدولية المتعددة (ما بين المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة إلى المادة الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. يضيف الخبير القانوني من مصر قائلا: وحيث لم يعد الأردن هو صاحب السلطة في الضفة والقدس فإن هذه السلطة لا تؤول بحال من الأحوال إلى إسرائيل بل هي للفلسطينيين كشعب مقيم على أرضه منذ أمد بعيد ومن قبل أن تقوم (دولة) إسرائيل أصلا في المنطقة. من الناحية التاريخية فإن السيادة تكون قد إنتقلت من الدولة العثمانية إلى الشعب الفلسطيني بوصفه صاحب السيادة الأصلية كشأن ما حدث في سائر ولايات الدولة العثمانية بالمنطقة. أخيرا نشير في هذا الخصوص - كما يشير أستاذ القانون إلى المبدأ المعمول به في أعراف القانون الدولي وهو: عدم جواز حيازة ، أو إستمرار حيازة أو ضم منطقة تم احتلالها حتى ولو كان هذا الاحتلال قد تم نتيجة حرب جرى خوضها دفاعا عن النفس. وتضيف ان هذا المبدأ سبقت الإحالة إليه في ديباجة قرار مجلس الأمن الشهير رقم 242 الصادر في نوفمبر من عام 1967 والمعروف أن الديباجة في مثل هذه الصكوك الدولية تشكل مع المنظومة قوام الصك الدولي لأنها تضفى على النصوص الروح التي يمكن على ضوئها تفسير النص وتأويل العبارات ومن ثم فلا يجوز لإسرائيل الاحتجاج أو التمسك في مقولة الحرب الدفاعية لتبرير احتلالها أصلا - ناهيك بإستمرار هذا الاحتلال فما بالك بالنفي المستفز أصلا لوجود مثل هذا الاحتلال ومن ثم تسويغ احتفاظها بأراضي الشعب الفلسطيني المحتلة في الضفة والقطاع أن في هذا كله تجاهلا صريحا وإنكارا مباشرا لأهم حق أصيل ثابت لأي شعب من شعوب العالم وهو حق تقرير المصير الذي أكدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثلاثين حين أصدرت قرارها بإنشاء اللجنة الدولية المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه الثابتة غير القابلة للتصرف وطلبت في القرار 3376 أن ينظر مجلس الأمن في تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة هذه الحقوق وفي مقدمتها بداهة حق تقرير المصير. بين الكتابة والشهادة نحن أول من يدرك أن قصارانا أن نكتب وأن نبسط الحقائق وأن ننبه قومنا إلى ما يحيق بهذه الأمة من أخطار. ونحن أول من يدرك أن ما نقوم به من جهة في الدرس أو البحث أو المتابعة لا يضاهي قطرة دم واحدة يجود بها شاب جسور أو فتاة شهيدة على أرض فلسطين وبهذه الدرجة الأسطورية التي أضفت على مخيم جنين اسم (جنينفراد) أسوة ببطولات مدينة ستالنجراد ضد الغزوة النازية العنصرية خلال سنوات الحرب العالمية الثانية. ولكن لأن قضايانا عادت إلى أصولها على يد نازية شارون الجديدة ولأن حديث السلام المتبادل والتعاون الشرق أوسطي وكل ما طرحوه من مدريد إلى كامب ديفيد ومن أوسلو إلى كوبنهاجن أصبح وقد تجاوزته وقائع الدمار والقتل والعقاب الجماعي وإهدار قداسة المسجد وحرمة الكنيسة - فقد أصبح لزاما على الطرف العربي أن يعود بقضاياه إلى منابعها واصولها. أن نؤكد من جديد البديهية التي تقول أن ثمة حربا للتحرير الوطني تدور رحاها الآن في قلب الشرق الأوسط وأن تسمية إسرائيل ينبغي أن تحمل صفة الاحتلال الإسرائيلي غير المشروع لأرض فلسطين في القدس الشرقية وفي الضفة الغربية وقطاع غزة. وأن على الميديا العربية والأكاديمية العربية والمنظومة السياسية - الدبلوماسية العربية رسمية كانت أم شعبية ، حكومية كانت أو أهلية - أن تتضافر بحثا عن النغمة الصحيحة التي ينبغي أن نخاطب بها العالم مركزين في ذلك على واقع الاحتلال وديناميات حركته. وإذا كانت إسرائيل تجيد لعبة تكرار الأكاذيب إلى حد إملال الآخر إلى أن يصيبه الضجر فيشرع في الاستسلام أو الاصغاء من فرط السأم إلى ما تقول ، فإن على الطرف العربي أن يمارس لعبة التكرار هذه بغير هوادة ولا ملل. لعبة التأكيد وإعادة التأكيد والملاحقة لكل ما ينشره العدو من أكاذيب وما يروج له من ترهات، وأولها وربما أشدها خطرا وأفدحها خطورة أن ليس هناك.. إحتلال إسرائيلي للأراضي الفلسطينية(!) ولا عجب - الم تقل جولدا مائير يوما - بكل وقاحة (تاريخية) وهي التي جاءت متطفلة من شرق أوروبا في أوائل القرن العشرين - أين هم هؤلاء.. الفلسطينيون.. عندما جئت إلى هذه الأرض: لم أجد شعبا يحمل هذا الاسم. ـ كاتب سياسي من مصر