كانت الولايات المتحدة الامريكية ماقبل هجمات 11 سبتمبر هي الدولة الاولى الراعية للسلام، وهذا بحد ذاته من وجهة نظر اساتذة القانون الدولي يعد اختراقاً قانونياً واضحاً في التعدي، على دور الامم المتحدة، هذه المنظمة الاممية التي اسستها دول العالم للقيام بهذه المهمات الكبرى، لكن مع ذلك فقد ألقى العالم ـ بما فيه المنطقة العربية طبعاً ـ بكامل الأوراق في السلة الامريكية نظراً لمكانة وقوة هذه الدولة، لكن امريكا اليوم تسلم رعاية عملية السلام إلى (اسرائيل) فهل يمكن ان نصدق ذلك؟ علينا ان نصدق ذلك وأكثر، وإلا فما معنى كل الذي حدث في المنطقة خلال المدة الماضية، وما معنى تداعيات جولة (كولن باول) ومناوراته؟ ما معنى ان يمر على مجازر الجيش (الاسرائيلي) وجرائمه الرهيبة ضد الانسانية في مخيم (جنين) وكأن شيئاً لم يكن، وكأن (جنين) من الاساس مخيم لم يقم على وجه الحياة يوماً، ولم يتحرك في طرقاته وتحت اسقف منازله الصفيح بشر؟ لماذا لم يكلف نفسه مجرد زيارة (دبلوماسية) على الاقل لمخيم جنين لذر شيء من الرماد في عيون العالم، ولماذا لم يكلفه رئيسه بهذه اللفتة الانسانية المتماشية مع (اساطير) امريكا حول حقوق الانسان؟ لذلك علينا ان نصدق، بل وان نوافق على تسليم مهمة رعاية السلام في المنطقة الى شارون الذي يعرف تماماً ماذا يريد من وراء حربه القذرة هذه ضد الفلسطينيين، والذي بمجرد ان اطلق بالون اختباره السياسي المتعلق بعقد مؤتمر اقليمي للسلام حتى بادرت الولايات المتحدة الى الموافقة الفورية وبدون تردد، تاركة له ان يحدد أجندة المؤتمر كاملة من الالف إلى الياء حيث ستتولى هي عمليات التنظيم والعلاقات العامة. وعلى ذلك فشارون الذي اراد أن يستثمر المذابح لصالحه وان يلفت نظر العالم وتحليلاته واهتماماته عنها الى شيء آخر، طرح مبادرة المؤتمر الاقليمي وحدد الدول المشاركة والدول المستبعدة، كما اقترح مكان انعقاد المؤتمر (المغرب، شرم الشيخ أو مكان محايد) وسمى الدول غير المرغوب في حضورها (سوريا ولبنان) والمرغوب فيها باعتبارها دولاً ذات انظمة متفاهمة وراغبة في السلام (مصر ـ الاردن ـ السعودية)! ولم يبق سوى ان يترأس شارون المؤتمر الاقليمي، كي يضمن حصوله على جائزة للسلام التي يحلم بها، وبذلك يكافأ القاتل بحزمة مكافآت لم يكافأ بها قاتل على مر التاريخ الانساني! ولأول مرة يحضر الشرطي الاول للعالم (أمريكا) إلى مكان الجريمة ليقبض على المقتول، ويسلم القاتل صك البراءة بدون حتى اجراء تحقيق شفهي، مغلقاً بذلك الملف الأكثر قذارة على كل العفونة التي فيه معتبراً القضية (أمراً داخلياً أمريكياً) والجريمة ضد مجرم (معلوم) لكنه كان يدافع عن نفسه، اضافة إلى أنه لا يرغب اطلاقاً في ان يشير الى هذا المتهم تحديدا (اسرائيل ورئيس وزرائها) بأي اصبع اتهام! فأولاً (شارون) رجل (اسرائيلي) يهودي صاحب مأساة انسانية استقرت في الذهنية الغربية المسيحية كعقدة ذنب لا فكاك منها إلا بالتطهر الدائم والتكفير المستمر طيلة الحياة بالوقوف الى جانب اسرائيل (ظالمة أو مظلومة) وهي لم تكن سوى ظالمة على طول الخط! اضافة الى عامل أكثر اهمية وهو اللوبي الصهيوني ذو الذراع الضاربة في مجمل الحياة السياسية والاجتماعية والاعلامية والاقتصادية في امريكا وهذا اللوبي يقف وبقوة خلف اسرائيل وكل حكوماتها النازية، وبواسطته يتحدد فوز أو فشل أي مرشح رئاسي أمريكي كما هو معروف. ولذلك فحينما تظاهر الآلاف من انصار (اسرائيل) منذ أيام امام الكونجرس لاعلان تأييدهم للدولة اليهودية، بعث اليهم بوش بمن ينوب عنه في القاء كلمة قال فيها (إن بوش يريدكم ان تعرفوا انه يقف متضامناً معكم ويشد ازركم في وقت المحنة هذا، فبعد هجمات 11 سبتمبر اصبح هناك عامل آخر مشترك بين الامريكيين واسرائيل ألا وهو أن الامريكيين يعرفون الآن امكانية التعرض للهجوم من قبل مفجرين انتحاريين، ولذلك فمن الضروري محاربة الارهاب)! ولم يكن من باب المزايدة بل من باب الاتفاق تماماً ان يقف نتانياهو (رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق) ليقول للحشد: (اسرائيل مثل الولايات المتحدة لا تريد هذه الحرب، فقد فرضها علينا عدو همجي مؤمن بثقافة الموت، ثقافة يوصف فيها القتلة بأنهم شهداء ويعظم فيها الانتحار)! لا عجب أن يقترح شارون مؤتمراً للسلام، ولا عجب ان توافق أمريكا، العجب كل العجب من الحكومات العربية المؤيدة والمتفهمة والمتفاهمة مع كل هذا السيناريو الذي يبث يومياً بلا حرج ولا خجل و.. لاعزاء للمتظاهرين في كل العالم!!