كان للشعر العربي حتى عهد قريب دور مهم ليس في البكاء والنواح وقول ما لا يفهم ولا يعرف معناه من الكلام بحجة الابداع والرمزية والشاعرية، كان هذا حتى عهد قريب لا يجاوز عشرات السنين، حتى بدأت موجة التأثر بصرعات الغرب فأتت لنا بألوان من صرعات القوم في كل شيء ومن ضمنها الشعر الذي تغير مع كثير مما تغير فما عدت تعرف للشعر طعماً ولا لوناً ولا رائحة الا لدى النادر القليل الذي بات يقتل فلا تكاد تسمع بشاعر يسرك سماعه الا القليل النادر. لكن الاوائل كانوا على عكس ذلك تماماً فكان شعرهم محط حياتهم وأخبارهم ووجدانهم بل وأوطانهم وقبل كل ذلك وبعده حكمتهم المغلفة بالشاعرية، وان من الشعر الذي تركه الاوائل ذلك الشعر القصصي الذي برع فيه ممن برع شاعر العربية احمد شوقي الذي برع في الشعر براعة بايعه عليها شعراء العرب بقيادة شاعر النيل حافظ ابراهيم. ومن قرأ شعر أحمد شوقي أمير الشعراء عرف انه شاعر ملك نواصي الكلام والشاعرية حتى لم يترك غرضاً الا كتب فيه فإذا أردته رقيقاً غزلاً وجدته كذلك وإن أردته مادحاً مجيداً وجدته كذلك وان اردته راثياً أبكاك واشجاك وان اردته وطنياً ثائراً وجدته كذلك وان وجدته متعلق القلب بدينه وعقيدته علقت بقلبك قصائده الخالدة. ولشوقي نفسية متفائلة وعقل راجح دعواه لان يكون معطاء مقبلاً على الحياة بشاعرية ثرة حتى ملأ الدنيا في عصره وشغل الناس بشعره وما ذلك الا لاحساسه بقيمة نعمة الحياة التي أولاها له خالقه حتى قال مدللاً على ذلك معارضاً قول ابي العلاء المعري ذلك اليائس البائس الذي قال: «هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد» فقال شوقي معارضاً لذلك: بيني وبين أبي العلاء قضية في البر أسترعي لها الحُكماء هو قد رأى نعمى أبيه جنايةً وأرى الجنايةَ من أبي نَعماءَ قمرية الوادي ومن أجمل ما يمكنك التلذذ بقراءته من شعر شوقي تلك الرائعة التي فيها حكاية مجلس أنس ووجد عفيف والتي لا تكاد تغادر ذاكرة التاريخ الأدبي العربي والتي يذكر فيها من أحب بذلك يقول: بي مثلُ ما بك يا قُمْرَيّةَ الوادي ناديتُ ليلي فقومي في الدجى نادي وأرسلي الشجو اسجاعاً مفصلة أو رددي من وراء الايك إنشادي لا تكتمي الوجد فالجُرحانِ من شجَنٍ ولا الصبابة فالدمعانِ من وادِ تذكري منظر الوادي ومَجْلِسَنا على الغديرِ كعصفورين في الواد والغصنُ يحنو علينا رقّة وجويً والماءُ في قدمينا رائحٌ غاد الأرانب وإن مما تفرد به شوقي قصائده التي كتبها على شكل حكايات رقيقة الحواشي لأبناء هذه الأمة ضمنها حكماً بالغة لو حرص أهل التعليم والتربية على تدريس أكثرها في مناهج التعليم لكانت لها فوائدُ جمة تجمع بين التحبيب في الشعر أدب العرب الأول والاخير وبين تعلم اللغة الشاعرية والفصاحة واستخلاص الحكمة، ولقد درسنا ونحن صغار احدى روائع حكايات شوقي الشعرية، تلك التي خلت منها مناهج هذا الزمان. ولقد ظلت تلك الحكاية راسخة في ذاكرة جيلنا حتى هذا اليوم، انها تلك التي تتحدث عن سليمان والهدهد والتي مطلعها: وقف الهدهد في باب سليمان بذلة قال يا مولايَ كن لي عيشتي صارت مملة وغير ذلك من الجميل دراسته وتدريسه لأبنائنا في هذا الزمان هو حكايته عن أمة الارانب والفيل تلك الامة الضعيفة التي اتخذت لها ارضاً ووطناً فتعدى عليه الفيل واتخذه له طريقاً يقتل فيه تلك الأمة الضعيفة كلما مر بذلك الطريق وطن الارانب، فكان في الأرانب أرنب مجرب اشار عليهم بالاتحاد ضد الفيل فاتحدوا وحفروا للفيل حفرة على الطريق فوقع فيها فاستراحوا من شره. فكان في القصة حكمة بالغة تلوح بأهمية المشورة وقدر أهل الرأي والحكمة وأهمية الاتحاد حتى عند أضعف خلق الله. ومما قال شوقي في تلك الحكاية الشعرية: يحكون أن أمة الأرانب قد أخذت من الثرى بجانبِ وابتهجت بالوطن الكريم وموئِلَ العيال والحريمِ فاختاره الفيلُ له طريقاً مُمزقاً أصحابنا تمزيقاً وكان فيهم أرنبٌ لبيبُ أذْهَبَ جُل صوفِهِ التّجريبُ نادى بهم يا مَعْشرَ الأرانِبِ من عالم وشاعرٍ وكاتِبِ اتحدوا ضِد العدو الجافي فالاتحاد قوة الضعَافِ فأقبلوا مستصوبين رأيَهْ وعَقَدوا للاجتماع رايَةْ الى ان قال شوقي: اجتمعوا فالاجتماع قوه ثم احفروا على الطريق هُوه يهوي اليها الفيلُ في مرورِهْ فنستريحُ الدهرَ من شرورِه فاستصوبوا مقالَهُ واستحسنوا وعملوا من فورهم فأحسنوا وهلك الفيلُ الرفيعُ الشانِ فأمست الأمةُ في أمانِ هذا ما كان من أمر أمة الأرانب واتحادها أمام طغيان الفيل، فهل نحن متحدون كما اتحدت الارانب؟