تحاول واشنطن، في تعاملها الراهن مع العدوان الإسرائيلي على المدن والقرى الفلسطينية، أن تميّز نفسها عن إسرائيل من خلال الدعوة الأمريكية الخجولة للإسراع في سحب القوات الإسرائيلية، وأيضاً من خلال الموقف الأمريكي الذي يرفض وقف كلّ تعاملٍ سياسي مع ياسر عرفات.. لكن معضلة التحرّك الأمريكي الآن تكمن في أن شارون يحاسب واشنطن على قاعدة تعتمد مقارنة ما يفعله في فلسطين بما فعلته واشنطن في أفغانستان. السلطة الفلسطينية هي كحركة طالبان، والمقاتلون ضد إسرائيل هم كجماعة القاعدة، والعدوان الإسرائيلي الغاشم هو كردّ الفعل الأمريكي الذي حدث في أفغانستان عقب أحداث 11 سبتمبر، والعمليات الفلسطينية في إسرائيل هي مثل الهجوم الإرهابي على أمريكا.. والاعتقالات الإسرائيلية الجماعية للفلسطينيين هي مثل اعتقالات أمريكا لعناصر طالبان والقاعدة.. ولأن واشنطن رفضت سابقاً دعواتٍ عربيةٍ ودولية لعقد مؤتمرٍ دولي لتحديد مفهوم الإرهاب وللفرز بينه وبين حق المقاومة للإحتلال، فإن واشنطن تعجز الآن عن مواجهة الأطروحة الإسرائيلية التي تقارن فلسطين بأفغانستان. العباءة الاسرائيلية لقد نجح شارون في استدراج الإدارة الأمريكية الحالية إلى خانة مشروعه السياسي ومخطّطه العدواني منذ تولّي جورج بوش الابن مقاليد السلطة في واشنطن®. نجح شارون أولاً في استغلال عقدة الرئيس بوش الابن من تجربة الرئيس بوش الأب في مواجهته الخاسرة مع اللوبي الإسرائيلي في أمريكا، ثم نجح شارون في تحييد الرئيس الأمريكي الجديد حينما طالبه بعدم تكرار تجربة خصمه السياسي كلينتون (وخصم شارون السياسي باراك) في الانغماس الأمريكي بالمشكلة الفلسطينية، فكانت مواقف الإدارة الأمريكية الحالية (وقبل أحداث 11 سبتمبر) تلبس العباءة الإسرائيلية نفسها من حيث عدم التدخل بما كان يقوم به شارون لقمع الانتفاضة الإسرائيلية، وفي عدم استقبال ياسر عرفات في واشنطن، وفي تكرار المواقف الأمريكية التي تطالب الفلسطينيين بوقف الانتفاضة أولاً قبل الدخول في أيّة مفاوضاتٍ سياسيةٍ جديدة. ولقد جاءت أحداث سبتمبر في أمريكا لتكون أفضل هدية للسياسة الشارونية في المنطقة ولآفاق علاقات تل أبيب مع واشنطن. فشارون أظهر امتعاضاً شديداً حينما تجنّبت أمريكا في البداية وضع المنظمات الفلسطينية واللبنانية التي تقاتل إسرائيل في لائحة الدول والجماعات الإرهابية، ثم خضعت واشنطن للمطلب الإسرائيلي لاحقاً، فأصبحت أيّة جماعة فلسطينية أو لبنانية تواجه الاحتلال الإسرائيلي، هي جماعة إرهابية في المفهوم الأمريكي، وعليها تنطبق كلّ العقوبات الأمريكية، كما تُطبق إجراءات الملاحقة على كلّ من يتعاطف معها داخل الولايات المتحدة. وحينما اكتملت الصورة الإسرائيلية على الجانب الفلسطيني من حيث المقارنة مع أوضاع أفغانستان وتسليم واشنطن غير المباشر بهذه الصورة، انقضت دبابات شارون وقواته على المدن والقرى الفلسطينية، وفي محاولة منه لإظهار المقارنة أيضاً بالأسلوب الأمريكي في أفغانستان. إن السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط (وبغضّ النظر عن شخص الحاكم في واشنطن) ما زالت أسيرة مفاهيم الحرب الباردة التي كان لإسرائيل خلالها دور بارز في تحقيق المصالح الأمريكية. اليوم، إسرائيل هي عبء كبير على أمريكا وعلى مصالحها في العالمين الإسلامي والعربي، ولم تعد اليوم إسرائيل وشواطئها هي المتاح الأساس للتسهيلات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط (كما كانت في حقبةٍ طويلة في الحرب الباردة)، ولم تعد إسرائيل مصدر أمنٍ وحماية للمصالح الأمريكية، بل إن تلك العلاقة الخاصة معها أضحت هي السبب في تهديد مصالح واشنطن في بقعةٍ جغرافيةٍ تمتدّ من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندي، ويعيش عليها مئات الملايين من العرب وغير العرب، وترتبط ثروات هؤلاء أصلاً بل وسائر خيراتهم الاقتصادية ارتباطاً شديداً بالشركات والمصالح الأمريكية. شرعية مغلوطة إن المفهوم الأمريكي للإرهاب أصبح هو نفسه مصدر تشجيع للإرهاب، عوضاً عن الحدّ منه ومن أسبابه ومن ظواهره. فقد أعطى هذا المفهوم الأمريكي للإرهاب شرعية أمريكية للعدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، ولسوف تظهر حصيلة هذا المفهوم الأمريكي ونتيجةً لهذا العدوان الإسرائيلي، ردود فعلٍ عديدة من المظلومين في ظل هذا المفهوم وممن هم ضحايا لهذا العدوان. فحينما تساوي واشنطن بين الإرهاب المنبوذ وبين حقّ المقاومة المشروعة، فإنما هي تعطي بذلك حجةً سياسية للادّعاء الإسرائيلي بأن فلسطين هي كحال أفغانستان. واشنطن اليوم هي أسيرة مفاهيمها هذه التي جعلتها أيضاً أسيرة المواقف الإسرائيلية. وسيبقى الموقف الأمريكي ضعيفاً في التأثير على إسرائيل الظالمة وتجاه الشعب الفلسطيني المظلوم طالما أن واشنطن تعتبر العدوان الإسرائيلي دفاعاً عن النفس، بينما تنظر إلى المقاومة الفلسطينية كما لو كانت حالةً إرهابيةً تستوجب الردع والعقاب. الموقف الأمريكي سيبقى ضعيفاً تجاه العرب والعالم كلّه طالما أن واشنطن لا تتعامل مع العدوان الإسرائيلي على أنه حالة احتلال يتوجب وقفها فوراً، وأن إنهاء الاحتلال يعني أيضاً بناء دولةٍ فلسطينية مستقلةً على كلّ الأراضي الفلسطينية المحتلّة عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، وضرورة تلازم ذلك مع ضمان لحلّ عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين. واشنطن تتحدث الآن عن «دولة فلسطينية» لكن دون تحديدٍ لحدود هذه الدولة ولا لسكانها ولا لعاصمتها، ولا أيضاً لنوع السلطة فيها. فلا يكفي الحديث بالعموميات عن «الدولة الفلسطينية»، فشارون نفسه قال بتلك العمومية، وهاهو الآن على الأرض الفلسطينية يقتل الفلسطينيين ويدمر ممتلكاتهم.. واشنطن تتعامل الآن مع الملفّ الفلسطيني المتفجر بحكم منطق ردّ الفعل على التطوّرات الأخيرة وليس من منطلق السعي لحل عادلٍ وشامل للقضية الفلسطينية. ما تريده واشنطن في حقيقة الأمر هو تجميد الملفّ الفلسطيني ليسهل عليها تحريك الملفّ العراقي. وهذا بحد ذاته يلقي ظلال الشكوك العربية والفلسطينية على أبعاد التحرّك الأمريكي لمعالجة الملفّ الفلسطيني. التغيير المطلوب أما إذا افترضنا أن واشنطن جادة فعلاً في التعامل مع الملفّ الفلسطيني، فإن أمامها فرصةً لتحقيق ذلك من خلال جملة خطواتٍ، من بينها: 1- أن تنظر واشنطن إلى المقاومة الفلسطينية المسلّحة ضد الاحتلال الإسرائيلي على أنّها نتيجة لحالةٍ عدوانية احتلالية وليست سبباً لأزمةٍ أمنيةٍ راهنة، وبأن المطالبة الأمريكية بوقف العمليات الفلسطينية هي كوضع العربة أمام الحصان، فالمطلوب أولاً وقف العدوان الإسرائيلي وإنهاء الاحتلال الغاشم، أي مطلوب أولاً معالجة الأسباب في إطار حل سياسي شامل قبل التركيز على النتائج الأمنية المترتبة على مواجهة واقع الاحتلال. 2- أن تُلاقيَ واشنطن الشعب الفلسطيني في منتصف الطريق، إذا كانت لا تريد أو أنها تعجز عن تفهّم كافة حقوقه العادلة.. ومنتصف الطريق هنا هو التسليم بحق الشعب الفلسطيني قي مقاومة الاحتلال داخل الأراضي الفلسطينية المحتلّة بعد عام 1967 بتعبيرٍ آخر، إذا كانت واشنطن تعتبر العمليات الفلسطينية داخل إسرائيل وضد المدنيين الإسرائيليين هي عمليات إرهابية، فكيف لواشنطن أن تكون ضد حق شعبٍ خاضع للاحتلال في أن يقاوم جيش الاحتلال في أراضيه المحتلّة؟! هذا الموقف المبدئي المطلوب من واشنطن هو جوهر الأزمة الراهنة اليوم ما بين أمريكا وعموم المنطقة العربية، إذ دون الفصل والفرز الأمريكي بين حالة المقاومة وبين مفهوم الإرهاب، ستزداد حالات التصادم في الموقفين الأمريكي والعربي، وستبقى واشنطن بنظر الفلسطينيين والعرب جميعاً راعيةً للعدوان الإسرائيلي وليس لمشاريع عمليات أمنٍ وسلام. 3- أمريكا مدعوة أيضاً إلى ملاقاة الأوروبيين في موقفهم الرافض للعدوان الإسرائيلي والمتفهّم لحق المقاومة ضد الاحتلال. أمريكا مدعوة للنظر إلى الصراع المتفجر الآن في الأراضي الفلسطينية المحتلّة بأنه حالة شبيهة إلى حد ما بالمشكلة الأيرلندية، حيث كان الجيش الجمهوري الأيرلندي يستخدم العنف ضد المدنيين في لندن وغيرها لكنْ من اجل حقوقٍ سياسية يسعى لتحقيقها. وقد نجحت واشنطن، رغم صداقتها الخاصة مع الحكومات البريطانية، بأن تطرح تسوية سياسية رعاها الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون وأشرف على تفاصيلها جورج ميتشل نفسه الذي قام أيضاً بإعداد التقرير الخاصّ عن الوضع الفلسطيني، فلِمَ لم تضع واشنطن آنذاك على الجيش الأيرلندي شروطاً كالتي تضعها الآن على الفلسطينيين؟ لِمَ لمْ تضع واشنطن الجيش الجمهوري الأيرلندي على لائحة الإرهاب لديها؟ 4- أيضاً، على واشنطن أن تنظر إلى الدعم العربي (الرسمي والشعبي) للمقاومة الفلسطينية بأنه حالة شبيهة بما كانت تفعله أمريكا في دعمها ومساندتها لفرنسا ضد الاحتلال الألماني، وكما فعلت واشنطن أيضاً في مساندة «المجاهدين الأفغان» ضد الاحتلال الروسي لأفغانستان. فإذا كانت التصريحات الرسمية الأمريكية لا تشير كثيراً الآن إلى تسمية (الاحتلال الإسرائيلي) باسمه فإن «الرؤية»، التي أعلنها الوزير كولن باول أواخر العام الماضي عن أوضاع الشرق الأوسط، كانت واضحةً جداً في تسمية الاحتلال الإسرائيلي وفي اعتبار المستوطنات اليهودية عقبة كبيرة أمام أيّة تسويةٍ سياسية. 5- باستطاعة واشنطن الآن، إذا كانت عاجزة أو غير راغبة بحل عادلٍ وشامل، أن تتعامل مع الحالة الفلسطينية كما تعاملت مع الحالة اللبنانية في أعقاب عدوان إسرائيل عام 1996 ومجازر قانا، بأن تضع ضوابطَ للصراع المسلّح كالتي حصلت في تفاهم (أبريل عام 1996)، فهذا التفاهم أوجد صيغةً فيها رعاية دولية (أمريكا - فرنسا - الأمم المتحدة) ورعاية عربية (سوريا - لبنان) لضبط الصراع المسلّح آنذاك بين المقاومة اللبنانية وجيش الاحتلال الإسرائيلي، صيغة حصرت العمليات العسكرية بالعسكريين وبالأراضي اللبنانية المحتلة، وعندما كان أحد الطرفين يخرج عن صيغة التفاهم تلك وتحصل ردود فعل من الطرف الآخر، تتدخّل اللجنة الراعية لضبط ردود الأفعال والتدهور الأمني. 6- واشنطن تتحدث الآن عن مسؤولية ثلاثة أطراف في معالجة الصراع المتفجّر في الوضع الفلسطيني. إسرائيل - الفلسطينيين - الدول العربية، لكن واشنطن تتجاهل مسؤوليتها الكبيرة هي أيضاً. فإذا كانت الإدارة الأمريكية تريد من الدول العربية أن تمارس الضغط على الفلسطينيين لوقف العمليات العسكرية وأن توقف أيّة مساعدةٍ لهم، فإن الطرف الرابع هنا هو أمريكا التي عليها أيضاً الضغط على إسرائيل ووقف أيّة مساعدةٍ أمريكية عسكرية أو مالية للحكومة الإسرائيلية، علماً أن هذه المعادلة تحمل ظلماً كبيراً للفلسطينيين وللعرب ولا تتساوى فيها الإمكانات والقدرات والحقوق، لا من جهة مساواة إسرائيل مع المقاومة الفلسطينية ولا من جهة إمكانات ودور أمريكا مع إمكانات وأدوار الدول العربية. الخروج من الأسر إن أمريكا تريد «تعريب الحلّ الأمريكي» لكنها تمنع في الوقت نفسه تعريب الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. ومن سخريات واقع الحال العربي الآن أن الدولتين اللتين وقعتا اتفاقيات سلامٍ مع إسرائيل (مصر والأردن) هما الآن تحت ضغطٍ من الشارع العربي للمطالبة بقطع كلّ أنواع العلاقات مع إسرائيل. هاتان الدولتان كانتا مسؤولتين حتى العام 1967 عن إدارة أوضاع الضفة الغربية وغزة، وحينما احتلت إسرائيل الضفة وغزة فإنها قامت بذلك حصيلة عدوانٍ على مصر والأردن (إضافةً لسوريا طبعاً) ولم تكن هناك أيّة مقاومة فلسطينية مسلّحة في الضفة وغزة. الآن، يطالب العالم كلّه بحصر حق الفلسطينيين بدولةٍ في الضفة وغزة فقط لكن دون تسليمٍ عالمي شامل بحقّ الفلسطينيين في المقاومة لإستعادة هذه الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل حصيلة عدوانٍ عسكري ولم تشترط مصر السادات أو الأردن على استعادتها قبل توقيع الاتفاقات والمعاهدات مع إسرائيل، رغم أن هذه الأراضي كانت تحت مسؤوليتهما السياسية والأمنية حينما جرى عدوان عام 1967!! فإذا كانت واشنطن تضغط الآن على الدول العربية وعلى الفلسطينيين لإعلان نبذ استخدام أسلوب العنف والمقاومة المسلحة ضد الإسرائيليين، فإن واشنطن مسؤولة أيضاً في المقابل أن تضمن دعوةً إسرائيلية رسمية (باللغتين العبرية والإنجليزية) لوقف استخدام كافة أنواع العنف ضد الشعب الفلسطيني، وبأن تعالج إسرائيل أية مشكلةٍ أمنية تحدث مستقبلاً من خلال الوسيط الأمريكي والسلطة الفلسطينية. فهل تقبل واشنطن بذلك وتضمنه قبل أن تطالب الدول العربية بما هو شبيه بذلك على الجانب الفلسطيني؟ هل تضمن واشنطن قبول حكومة شارون لمرجعية الاتفاقات التي رعتها واشنطن أصلاً (من أوسلو إلى واي ريفر) إذا لم نقل بمرجعية قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة؟ فإذا كانت واشنطن لا تضمن هذا الحدّ الأدنى، فكيف لها أن تطالب العرب والفلسطينيين بوقف مقاومة الاحتلال الإسرائيلي؟ إنّها مشكلة المفاهيم والمنطلقات الأمريكية المشتركة مع المفاهيم والمنطلقات الإسرائيلية، وهي مشكلة تضع مصداقية واشنطن على المحكّ في كل مرةٍ تحاول فيها واشنطن أن تفرض تسوياتٍ سياسية وأمنية على الصراع العربي ـ الإسرائيلي. إن الزمن الراهن - رغم ما فيه من مرارة بالنسبة للعرب والفلسطينيين- هو زمن التحرّر من الأسر السياسي والتحرّر من الاحتلال العسكري، فعسى أن تتحرّر واشنطن أيضاً من أسر مفاهيمها للصراع العربي ـ الإسرائيلي حتى لا تصبح هي أيضاً رهينة المحتلّ العسكري الإسرائيلي. ـ مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن