إن فداحة الكارثة تُغرق الكلام والمقال والخطاب في بحر اللامعنى واللاجدوى. كل أصحاب الفكر والقلم يُحسون بما أحس هذه الأيام: موجة من الشعور بالعبث وانعدام التأثير على الأحداث. وهي موجة نفسية لعلها عابرة ومؤقتة، ستظل تربك الكاتب وتلجم المفكر وتعطل المحلل. لكن فداحة الكارثة لابد أن تبقي على وعي العقل وأن تشحذ البصيرة وأن تضيء هذا الليل العربي المدلهم بجذوة الشعور بالمسئولية. فنتساءل ماذا جرى؟ وماذا يمكن أن يكون المصير العربي في ضجيج اللحظات الراهنة ودوي قنابل اسرائيل وعلى مشاهد جثث الشهداء والشهيدات وعلى صراخ أطفالنا الأيتام ونداء نسائنا الثكالى ... وعلى ركام ما تبقى من جنين ومن نابلس ومن رام الله؟ ماذا جرى لذلك الصرح العالي من أماني السلام ووعود الدولة الفلسطينية منذ مسيرة مدريد وأوسلو وكامب دافيد وشرم الشيخ، والخطب الرنانة التي ألقيت في حديقة البيت الأبيض يوم 13 سبتمبر 1993 وتلك التي سمعناها في حفل تسليم جائزة نوبل بالتساوي بين ياسر عرفات وشيمون بيريز؟ وماذا بقي من مشاهد ياسر عرفات وهو يقسم بأن يدخل قبله ايهود باراك في أحد بيوت كامب دافيد بينما كان الرئيس كلينتون يبتسم منتصرا؟ ماذا بقي بعد هذا الدمار الذي كان بمثابة جواب على خطة السلام العربية بعد ساعات قليلة من اعلانها في بيروت؟ ماذا بقي من أحلام العزة والمنعة والاستقلال تراود خاطر زعماء السلطة ممن يطلق عليهم اسم «التوانسة» لانهم قادمون من وطنهم الثاني تونس وقد استقروا به منذ سبتمبر 1982، حين حرك شارون ـ نفس شارون ـ ضدهم أعتى آلة عسكرية احتلت لبنان ودكت مدنه وقراه، واعتقد شارون ـ نفس شارون ـ انه ينهي المقاومة الفلسطينية ويطلق عليها رصاصة الرحمة الاخيرة بارسال أبو عمار وكل رموزها الى أكناف المغرب العربي ... بعيدا جدا عن أرض المواجهة. وفي تونس وتحت قنابل الاف 16 كذلك ـ نفس الاف 16 ـ التي دكت مقر منظمة التحرير الفلسطينية يوم 1 اكتوبر 1985 في قرية حمام الشط على بعد 16 كيلومترا عن قصر الحبيب بورقيبة بقرطاج ... جواب اسرائيلي على عملية الباخرة أكيلي لورو ... تعلم قادة فلسطين النظر الى قضيتهم من زاوية أخرى مختلفة، وقد شاءت لي الأقدار شخصيا أن أعيش قضية فلسطين من خلال لقاءاتي العديدة والغنية بالمعرفة بكثير من رموز النضال حينما كنت في تلك المرحلة أتحمل بعض المسئوليات السياسية التونسية ومن بينها رئاسة تحرير صحيفة الحزب الحاكم، وكثيرا ما جمعتني لقاءات طيبة مع طيب الذكر المرحوم خليل الوزير أبو جهاد مع صديقنا حمادي الصيد الذي كان يشغل منصبا اعلاميا رفيعا في جامعة الدول العربية برئاسة أمينها العام آنذاك الأستاذ الشاذلي القليبي. وكان أبو جهاد الذي اغتالته بعد ذلك مجموعة صهيونية بقرية سيدي بوسعيد في يوم مشهود ... كان يحلم بالسلام الحقيقي العادل، وكان يعتقد بأن طريق المقاومة هي التي توصل شعبه الى ذلك السلام، وآمن بأن الانتفاضة الأولى ما هي إلا (بروفة) لتعبئة أكبر وأعمق تبلغ بالشعب المضطهد الشهيد ميناء الخلاص والنصر والحق. واليوم ... ونحن على مفترق الطرق الصعبة الشائكة، أعتقد انه من الأفضل لنا نحن العرب ألا نفقد التوازن بكل أبعاده السياسية والثقافية والنفسية لنعبر هذا الجسر المكسور بأمان. علينا ألا نضيع التوازن تحت ضربات عدو شرس وقوي بالقوة العسكرية ... فغاية هذه الحرب الشريرة على المدى البعيد هي افقاد العرب لنعمة التوازن ونعمة العقل، حتى نستدرج للانخراط في مخططات «الخلاص الوهمي» هربا من واقعنا ومن أنفسنا نحو المجهول الذي أعد لنا ... خارج دائرة التاريخ وخارج فلك العولمة. ولعل أكبر معركة تنتظرنا هي معركة الاستراتيجية الاعلامية والدبلوماسية العربية التي ستفتح لنا ضمائر وقلوب الرأي العام العالمي وتحديدا الغربي والامريكي ... لاننا فتحنا بالمقاومة البطلة الصامدة في جدار الخوف والصمت ثغرة هائلة من خلالها بدأنا نخاطب الناس ونطرق أبواب معتقداتهم الخرافية عنا وعن قضايانا، وننفض الغبار عن الصور النمطية الخاطئة الجائرة التي رسخها الاعلام الصهيوني ضدنا في العقول الباطنة، بداية من أقراص «البلاي ستيشن» للعب الأطفال الى الكتب الموسوعية الجامعية مرورا بالسي دي روم وبرمجيات الكمبيوتر وبرامج الفضائيات والأقراص ذات الصور والرسوم ثلاثية الأبعاد ... كل ما يمكن أن يدمغ العقل الأمريكي والأوروبي الباطن استعمل ضدنا وأداننا وسوغ الحرب والعدوان علينا. وهي معركة اعلام خسرناها لان الاسرائيليين سبقونا اليها بنصف قرن وجاءتنا الصحوة متأخرة ... لكنها جاءتنا على كل حال وبدأنا ندرك فداحة الخسائر في معركة الاعلام. فهل أطلب الكثير حين أرجو جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي أن تجمع أهل الرأي ورجال الاعلام والذين يتعاملون مع الرأي العام الغربي بصورة أو بأخرى، لوضع الخطوط الكبرى لاستراتيجية اعلامية عربية ... هي اليوم حالة ملحة في منتهى الخطورة والأهمية، حتى نوظف هذه الكوارث على الأقل لخدمة مصير عربي واحد ... مهدد بما يحدث لنا؟! فنحن مهددون جميعا ولو على مراحل ... لا في رفاهيتنا ولا في تقدمنا، بل في بقائنا كأصحاب حق وأصحاب حضارة. ـ أستاذ في قسم الاعلام بجامعة قطر