ما يحرص أرييل شارون خصوصا وبقية القادة السياسيين الاسرائيليين على عدم البوح به إلا تلميحا، دخل دائرة التصريح الصراح هذا الاسبوع. ورد القول في الانباء على لسان «آفي ايتام» أحدث شخصية انضمت الى وزارة شارون هذا الاسبوع. ومغزى حديث هذا الجنرال المتقاعد يمكن تلخيصه في كلمتين: لا معنى للسلام كهدف ولا للمفاوضات كأسلوب. يقول ايتام ان اسرائيل ترفض أية تسوية وأي تفاوض مع الفلسطينيين حول «منحهم أي أرض». لماذا؟! لأن الأراضي «الفلسطينية» تشكل جزءا لا يتجزأ من أرض اسرائيل. وانطلاقا من هذه الرؤية المحددة يتحدث ايتام حديث يهودي ذي التزام ثابت بعقيدته الدينية، فهو صاحب دعوة الى توسيع رقعة الدولة الاسرائيلية الراهنة حتى تبلغ حدودها «التوراتية». وإذا كانت هذه الدعوة يجب ان تعني انه لا حق للفلسطينيين في أرض الضفة الغربية لنهر الاردن، على أساس انها «أرض الميعاد» من المنظور اليهودي، فإن الجنرال ايتام لم يحوجنا الى استنتاج قد يكون موضع احتمالات مختلفة. فقد قال في صراحة لا مزيد عليها (وكان يتحدث في مقابلة مع صحيفة «يديعوت احرونوت» الاسرائيلية) انه لن يكون للفلسطينيين يوما سيادة أو جيش أو حكومة في أي جزء من «أرض اسرائيل التوراتية». ولاحظ دقة هذه الكلمات، فهذا الجنرال اليهودي المخضرم الذي يشارك الآن في طاقم حكم تتطابق فيه رؤى أعضائه ورئيسه، لم يقل انه لن يكون للفلسطينيين «وجود» في «أرض الميعاد» وإنما لن يكون لهم سيطرة مؤسسية. ومعنى هذا ان الأمة اليهودية سوف تبقي على وجود الفلسطينيين، لكن كفئة مضطهدة في منزلة عبيد. هذا هو مستقبل الصراع العربي الاسرائيلي كما يراه قادة الحركة اليهودية الصهيونية. إذن سقط السلام نهائيا.. ولعله لم يكن من المنظور الاسرائيلي قائما على الاطلاق منذ قيام الدولة اليهودية قبل أكثر من نصف قرن، بل حتى قبل قيامها منذ انعقاد المؤتمر الأول للحركة الصهيونية أواخر القرن التاسع عشر. إن العرب على مستوى الحكم يتحدثون الآن عن احتجاز الرئيس عرفات ومحاصرته داخل مبنى في رام الله لكن الخطب أعظم. إن محاصرة عرفات على خلفية حملة تقتيل جماعي يقوم بها الجيش الاسرائيلي ضد فئات الشعب الفلسطيني يرافقها هدم المنازل وتشريد الأسر بشيوخها ونسائها وأطفالها، رغم بشاعتها التي يندر مثيلها في التاريخ المعاصر، ليست في الحقيقة سوى حلقة واحدة من مسلسل مستقبلي طويل يجب ان يقود من المنظور اليهودي الى استكمال مشروع «أرض الميعاد»، الذي إن لم ينته الى ابادة أجيال من الشعب الفلسطيني والغاء وجودهم من على وجه الأرض، فانه ينتهي الى استرقاق الفلسطينيين. ومن ثم يكون تحقيق المشروع نفسه مرحلة تمهيدية للتوسع الصهيوني في الوطن العربي بأكمله ابتداء من الضفة الشرقية لنهر الاردن. فيم إذن الحديث عن السلام والمفاوضات؟ أي نوع من السلام أو التفاوض السلمي مع عدو استولى على جزء من أرضك ويعد العدة للاستيلاء على الأجزاء الأخرى؟ ولا يجب ان نغتر بأن القادة الاسرائيليين المتعاقبين بمن فيهم ارييل شارون نفسه يطرحون حديث السلام والمفاوضات من آن لآخر. فهو حديث ذو طبيعة «تكتيكية» ليس إلا، يقصد من ورائه شراء الوقت ريثما يتواصل التنفيذ لمشروع «أرض الميعاد». ويدخل ضمن هذا الاطار كل الحيل التي صار لها أسماء رنانة: ابتداء من أوسلو وليس انتهاء بمشروع «ميتشيل» وتوصيات «تينيت». إن الرؤية اليهودية واضحة وقاطعة لأنها بنيت على ثوابت عقيدة دينية. لكن الرؤية على الطرف الآخر ليست للأسف كذلك، لأنها مبنية على أسطورة «السلام خيارنا الاستراتيجي» وليس على قول الله تعالى: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا).