ألسنا نشعر بالعجز مما يحصل في فلسطين؟ ألم نشعر بالغثيان والاحباط واليأس بعد سماع كل خطاب للرئيس الامريكي بوش او لطاقمه؟ انا شخصيا اصاب بكل ذلك مجتمعا يختلج في احشائي بعد سماع خطاب لرئيس الوزراء البريطاني مهددا ومتوعدا بضرب العراق ومذكرا الحضور المتحفزين للتصفيق بان الرئيس العراقي لم ينفذ قرارات الامم المتحدة، وكأن اسرائيل طبقتها بالكامل وحصلت على الدرجة الكاملة في حسن السيرة والسلوك. إن المظاهرات التي ملأت شوارع العالم العربي والغربي كانت صادقة في توجهها، توضح وبشكل جلي الغليان الذي يشعر به المتعاطفون مع القضية الفلسطينية، وصراخ البسطاء امام اجهزة التصوير وتصديهم لهراوات الشرطة مع معرفتهم المسبقة بانهم هم المتضررون في النهاية تبدي وبشكل صريح لا يقبل الجدل مدى القهر الذي وصلوا اليه ورغبتهم في مشاركة الصامدين في الارض المحتلة ولو بضربة هراوة تدمي الرأس وتكون وساما واضحا لامعا للمشاركة وان كان هذا الوسام قد وضعه عربي مسلم كل ما يملك من مؤهلات زيه العسكري وهراوته التي قد تكون احيانا اثمن من عقله المغسول بالشر والحقد. أتساءل احيانا عن كل ذلك الوقت والجهد والثمن الذي صرفته الحكومات العربية لغسل ادمغة فرق مكافحة الشغب العاملة ضمن اجهزتها الامنية، فهم يضربون المتظاهرين بشكل فج لا يحمل في طياته سوى تراكم من صديد سكبه قادتهم في رؤوسهم لجعلهم ألات للقتل مجردة من كل مشاعر الاخوة والرحمة. هل شاهدتم معي كيف تعامل هؤلاء مع المتظاهرين في احدى الدول العربية؟ ضرب بالهراوات على الرؤوس وكأن من أمامهم مجموعة من الفئران التي يتوجب التخلص منها وتنظيف المجتمع من شرها، ياترى من المسئول عن تدريبهم وشحنهم وتوجيههم؟ لنترك الاجابة عن هذا السؤال لمن يعرف ! إن التفاعلات التي تحصل الان في الشارع العربي قد يكون لها نتائج ليست بأي حال من الاحوال في صالح بعض الانظمة الحاكمة في الدول العربية، فهي - أي هذه الانظمة - تشعر بالعجز اكثر من الشعوب المغلوبة على امرها، فهي لم تؤهل جيوشها لخوض غمار حرب شاملة مع عدو شرس، ولم تؤهل شعوبها تعليميا وثقافيا وتقنيا للابداع وخوض غمار المنافسة الصناعية والعلمية الشرسة في العالم، ولم تستطع ادارة دولها بشكل جيد يجبر الاخرين على احترامها، فهي في وضع لا تحسد عليه، فلا هي قادرة على المواجهة، ولا هي قادرة على التنسيق فيما بينها، ولا هي قادرة - وهذا هو الاسوأ - على احتمال واستيعاب سخط الناس من عجزها. السؤال المطروح الان وبشكله البسيط غير المتكلف والمنتشر الى درجة جعلت احدهم يقرر ان يجعله عنوانا لبرنامج تلفزيوني : وماذا بعد؟ واقطع يمناي ان كان احد يملك الاجابة عن هذا السؤال، وهل سيكون لدينا بعد؟ ان الجميع الان ينتظر ان يقوم شخص اخر بـ ( بعد ) وبانتظار ان يقوم المحاصرون في جنين وبيت لحم وبقية القرى والمدن الفلسطينية بالقيام بعملية استشهادية تنفس عن قلوبنا وتنسينا صراخ الرئيس الامريكي بوش والاسلوب البارد المتغطرس لخطابات رئيس الوزراء البريطاني بلير لتكون ( بعد ) التي ننتظرها. بالله عليكم، هل يستطيع احدكم ان يأكل طعامه وهو يشاهد الاخبار في التلفاز؟ جثث موزعة في الازقة والشوارع، نازفة مقطعة الاوصال بانتظار من يدفنها، ونساء باكيات يصرخن في وجوه القاعدين ويستحثثن الجيوش التي صدئت اسلحتها، واطفال يبكون لبكاء امهاتهم، ورجال لم يجدوا بدا من حمل ما يستطيعون من سلاح فردي لصد دبابة او مجنزرة او طائرة، حرب غير متكافئة يقودها شباب صغار في ازقة المدن، ولكني اجزم ان الامر برمته خير، وبطيه خير كثير، فالمقاتل يحترمه عدوه، والقوي يثبت مكانته، فلعلها هزة لتلابيبنا يختار الله خلالها من الشهداء من يشاء ويوقظ من يشاء ويجعل البعض ميتا الى ان يشاء. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت»