إدارة بوش تدرك «حاجة اسرائيل للدفاع عن نفسها» لانها «معرضة لتهديد الهجمات الارهابية». بعد اكثر من اسبوعين متتاليين من الحملة الاسرائيلية، للتقتيل الجماعي العشوائي ضد فئات الشعب الفلسطيني على امتداد أراضي الضفة الغربية المحتلة هذه هي خلاصة جولة وزير الخارجية الأمريكية كولين باول: الحملة ليست إلا دفاعا عن النفس. ومن ثم فإنه ليس مطلوبا من رئيس الحكومة الاسرائيلية ارييل شارون وضع حد للحملة الى ان «تحقق أهدافها». أعداد القتلى الفلسطينيين منذ أن بدأت الحملة الاسرائيلية الوحشية يوم 29 مارس المنصرم ليست معلومة على وجه الدقة.. فمن بين ترتيبات الخطة الجهنمية فرض تعتيم اعلامي شامل على انتقالات القوات الاسرائيلية المشاركة من مدينة الى قرية ومن شارع الى بيت وذلك اقتداء بحكمة قديمة صدرت عن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ذي الأصل اليهودي هنري كيسنجر. فما يروى عن التحركات الامريكية بشأن الانتفاضة الفلسطينية الأولى في أواخر ثمانينيات القرن الماضي ان كيسنجر اجتمع في واشنطن مع قادة المنظمات اليهودية الأمريكية على افطار عمل لبحث ظاهرة «التمرد» الفلسطيني المتنامية والتشاور حول أفضل السبل لتصفيتها نهائيا. في ذلك الاجتماع استحث كيسنجر زعماء اسرائيل على انتهاج اسلوب القمع «الوحشي والسريع» مع حظر الكاميرات التلفزيونية من دخول الأراضي المحتلة. وفي خطاب من أربع صفحات معد سلفا قال كيسنجر «ان التمرد الفلسطيني يجب أن يقمع فورا.. والخطوة الأولى يجب أن تكون اقصاء كاميرات التلفزيون». ولتبيان فكرته أشار كيسنجر في هذا السياق الى ما كان يجري حينئذ من أحداث مماثلة في جزء آخر من العالم.. فاستشهد باسلوب القمع الدموي الذي لا يعرف رحمة والذي كانت تنتهجه سلطات الأقلية البيضاء العنصرية في جمهورية جنوب افريقيا ضد انتفاضة الاغلبية السوداء الافريقية. والتشابه بين الليلة والبارحة لا يقف عند هذا الحد فقد أقر كيسنجر في خطابه أمس الأول الى القادة اليهود الأمريكيين بأن اسرائيل سوف تتعرض لانتقاد دولي.. لكن «هذا الانتقاد سوف ينحسر مع مرور الايام». ومن ثم تقدم بنصح أخير الى قادة اسرائيل قائلا «لن تكسبوا المعركة بأسلوب الاعتدال». سوف يمر بعض الوقت إذن حتى نعرف ما اذا كانت اعداد القتلى الفلسطينيين الآن هي بالمئات أم بالألوف.وسواء بلغت أعداد القتلى الفلسطينيين مئات أو ألوفا فإنه لم يطرأ أي تغيير، جوهريا كان أم حتى شكليا على ذهنية واشنطن تجاه القضية الفلسطينية في مطالع القرن الحادي والعشرين بالمقارنة مع أواخر القرن العشرين. فما يصدر عن كولن باول اليوم هو بالضبط ما كان يصدر عن سلفه ورصيفه السابق هنري كيسنجر. فالشعب الفلسطيني هو المعتدي على طول الخط حتى لو كان ضحية.. واسرائيل هي الطرف الذي لا يمارس إلا الدفاع عن النفس حتى لو كان معتديا.وهكذا تعمدت ادارة بوش التريث لمدى اسبوع كامل منذ بدء الحملة الشارونية الدموية حتى تتيح للقوات الاسرائيلية المزيد من الفسحة الزمنية لاستكمال «مهمتها». ووفقا لخطة معدة سلفا تلكأ باول بعد ان غادر واشنطن بالفعل في طريقه الى المنطقة ليتيح للقوات الاسرائيلية اسبوعا اضافيا. وبوصوله الى تل أبيب أصدر اعلانين: أولا: ان الولايات المتحدة «تتفهم» أهداف العملية الاسرائيلية.. فهي تتمحور حول «الدفاع عن النفس» ـ أي انها عملية مشروعة. ثانيا: ان على الرئيس عرفات ان يصدر نداء الى شعبه بوقف «العمليات الارهابية» ضد اسرائيل ـ أي ان الشعب الفلسطيني الذي يتساقط أبناؤه وشيوخه ونساؤه وأطفاله يوميا بالعشرات إما رميا بالرصاص الحي أو جوعا وعطشا أو من نزف الجراح ولا يسمح له حتى بدفن موتاه هو الطرف المعتدي. تبقى عبارات فن «العلاقات العامة والدعاية» المصاحبة لاعلاني باول. فبعد ان حدد الطرف «المعتدي» بالشعب الفلسطيني والطرف «المعتدى عليه» باسرائيل يقول باول ويعيد القول بأن «علينا ان نتنبه الى النتائج الاستراتيجية على المدى الطويل للعملية الجارية وانعكاساتها على دول المنطقة والمناخ الدولي». إنها عبارات بلا مضمون حقيقي موجهة للاستهلاك المحلي العربي على مستوى أنظمة الحكم ليس إلا.