من الواضح أن الإدارة الأمريكية قررت فيما يبدو أن تتجاهل تماما المشاعر العربية، شعوبا وحكومات، وتتصرف وكأن المنطقة العربية لم يعد لها من إرادة أو تطلعات أو حتى وجود مستقل. هذا على الأقل ما يمكن استشفافه من جملة التصريحات الصادرة من الولايات المتحدة، والتي بينها تصريح غريب للناطق باسم البيت الأبيض آري فلايشر (10 أبريل) أشاد فيه بانسحاب القوات الإسرائيلية من ثلاث قرى في الضفة الغربية واعتبره دليلا على استجابة إسرائيل لطلب الرئيس بوش لها بالانسحاب، وطالب بالمقابل الفلسطينيين والدول العربية أن تكافئ الانسحاب الإسرائيلي بأن يكونوا «على مستوى مسؤولياتهم عبر التنديد بالإرهاب ووقف تمويل الإرهاب والكف عن التحريض على العنف من جانب وسائل الأعلام الحكومية العربية وتطبيق خطتي تينيت وميتشل». الحقيقة المرة طبعا من يقرأ التصريح الأمريكي يعتقد أن إسرائيل قد انسحبت فعلا من المناطق الفلسطينية التي لا تزال تحتلها مثل رام الله وجنين ونابلس ، وليس من مجرد ثلاث قرى، تستطيع في أي وقت العودة إليها، فضلا عن أنها تدخل قرى ومدنا فلسطينية جديدة كل يوم. غير أن الموقف الأمريكي المبالغ في استهتاره بالحكومات العربية يكشف من جانب آخر ما يبدو أنه حقيقة مرة على هذه الحكومات أن تواجهها بشجاعة ومسؤولية، وهي أن الإدارة الأمريكية ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر في طور تبني سياسات وأولويات جديدة في التعامل مع هذه المنطقة. ويرى كثير من المحللين في الوقت الراهن أن أهمية المنطقة العربية آخذة في التراجع في حسابات الاستراتيجية الأمريكية، وفي هذا الصدد لا يخفي الأمريكيون ضيقهم وبرمهم من اعتماد بلادهم على النفط العربي، الذي يرون أنه بات عبئا عليهم وعلى سياسة بلادهم ومعيقا لحركتها في الكثير من الأحيان. والواقع أن إشارات أمريكية من هذا القبيل لا تني تتوارد منذ أحداث سبتمبر، سواء على هيئة مقالات في الصحف أو تصريحات لمسؤولين لا يكشفون عن أسمائهم، وكلها تحث الرئيس الأمريكي وإدارته على ضرورة التفكير في تنويع خيارات الولايات المتحدة في مسألة الطاقة وبما يؤدي إلى عدم الاعتماد على نفط المنطقة. وقد بدأت الإدارة الأمريكية كما يظهر فعلا التفكير جديا في هذا الأمر. فالرئيس جورج بوش يجد السعي منذ بعض الوقت للحصول على تشريع من الكونجرس يسمح له باستغلال المكامن النفطية في المحمية الطبيعية الشاسعة في آلاسكا، كما باتت واشنطن تعطي أولوية سياسية وعسكرية متزايدة لمنطقة القوقاز الغنية بالنفط، والتي تجري مواءمتها وربطها بالأهداف الاستراتيجية للحرب في أفغانستان. وفي الأيام الأخيرة أدلى الرئيس بوش بتصريحات لافتة لها مغزاها الهام، تعليقا على قرار العراق تعليق إنتاج نفطه لمدة ثلاثين يوما، فقد قال بوش خلال مأدبة غداء لجمع تبرعات للحزب الجمهوري في كونيتيكت (9 أبريل) «إننا في حاجة لان نكون اقل تبعية للخارج بالنسبة إلى النفط. وبدت هذه الضرورة جلية مع إعلان الرئيس صدام حسين انه سيسعى إلى تنظيم حظر نفطي»، وأضاف «أن هذا يظهر مدى أهمية تنويع مواردنا بعيدا عن أماكن مثل العراق». لا يعني ذلك بالطبع أن الولايات المتحدة في طريقها للاستغناء قريبا عن النفط العربي، لكنه يعني أنها تفكر في تقليل الاعتماد على هذا النفط أو على الأقل توفير البدائل له وجعل إمكانية وضع هذه البدائل في حيز الاستخدام ممكنا وسهلا حينما يحين الوقت ويكون ذلك ضروريا. ومن المتوقع أن تجعل التظاهرات العنيفة في الشارع العربي ضد العدوان الإسرائيلي ضد الفلسطينيين وضد الانحياز الأمريكي إلى جانب إسرائيل، ومطالبة هذا الشارع الحكومات العربية بإغلاق السفارات الأمريكية وقطع العلاقات مع الولايات المتحدة، أن تجعل الأمريكيين يزدادون قناعة بجدوى وأهمية التفكير الجدي في مستقبل سياستهم ووجودهم العسكري في المنطقة العربية في اتجاه التقليص والتهميش. ولعله أمر بالغ الدلالة أن تنتشر مشاعر العداء للأمريكيين في منطقة الخليج بالذات، وهي الدول الرئيسية المصدرة للنفط، والحليفة الأقرب للولايات المتحدة. فكيف سيكون الحال في الدول العربية الأخرى؟ من الشراكة إلى الشك إن العلاقات الأمريكية العربية كما يتضح تواجه محنة حقيقية، وستواجه سياسة واشنطن في المنطقة بالتأكيد تحديات جمة. وهنا يمكن التأكيد على جملة شواهد إضافية. أولا، إن الولايات المتحدة أخذت في الأسابيع والأشهر الأخيرة تميل دون حرج إلى مطالبة الدول العربية (جنبا لجنب مع الفلسطينيين) بالعمل على مكافحة العمليات الاستشهادية. وهي تبدو كمن اقتنع بالرأي القائل إن الحكومات العربية تساعد بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تشجيع هذه العمليات والترويج لها، وهذا توجه أمريكي خطير من شأنه أن يحرج هذه الحكومات ويقلل من هامش الحركة أمامها. ثانيا، رغم حملة الترغيب والترهيب الكبيرة التي مارستها الإدارة الأمريكية على أغلب البلدان العربية للعب أدوار متعددة في الحرب على «الإرهاب»، لا سيما ضد الحركات الإسلامية الناشطة وحزب الله وجماعات المقاومة الفلسطينية ، إلا أن النتيجة كانت متواضعة إلى حد بعيد. بل ان الأحداث الدامية في المناطق الفلسطينية قد أعطت هذه الجماعات زخما جديدا، وأجبرت معظم الحكومات العربية على غض الطرف عن نشاطاتها، وهو الأمر الذي من شأنه أن يدفع للمزيد من حالات التصادم والاحتقان في المستقبل بين واشنطن وهذه العواصم. ثالثا، ستجد المحاولات الأمريكية لضرب أي بلد عربي، مثل العراق أو غيره في المرحلة الثانية من حرب الإرهاب المزيد من الممانعة العربية، في ظل الشعور المتنامي في المنطقة باتساع الدائرة التي قد تطالها الاتهامات الأمريكية المتعلقة بما تسميه بالإرهاب. رابعا، لم تقدم الإدارة الأمريكية أي مقابل للعواصم العربية لما تطلبه منها، بل تركتها عارية ومجردة من أي غطاء سياسي أو أمني أو اقتصادي. فبالنسبة للقضية الفلسطينية لا يزال الحديث الأمريكي حول الدولة الفلسطينية المستقلة مبهما، ويحيطه الكثير من الغموض، في حين أن التركيز على ما تزعم واشنطن انه «إرهاب فلسطيني» وعدم الحديث عن الإرهاب الإسرائيلي» يجعل الكثيرين من العرب يشكون في جدية الإدارة الأمريكية وجدوى التعويل على أي حلول قد تقدمها في المستقبل. أما في مسألة الحرب على الإرهاب، فقد كان متوقعا أن تعرض واشنطن على الدول العربية على الأقل إنشاء منظومة أمنية إقليمية تأخذ فيها بعين الاعتبار إمكانيات هذه الدول و ظروفها الداخلية ومصالحها الإقليمية، لكنها اكتفت فقط بمطالبتها بإجراءات أمنية محددة ضد بعض الجماعات المحلية والأفراد الذين تشك الولايات المتحدة بعلاقتها بأحداث 11 سبتمبر، مرفقة بالتهديد والوعيد وفرض حضور أمني وعسكري أمريكي كثيف باسم مكافحة الإرهاب. وهي إجراءات ينظر إليها من قبل الكثير من المواطنين العرب على أنها انتهاك لسيادة دولهم وتدخل في شئونها الداخلية. وفي الإجمال يمكن القول إن العلاقات العربية الأمريكية التي مرت بمرحلة ازدهار خلال الحرب الباردة، ثم بمرحلة شراكة من نوع ما بعد انتهاء هذه الحرب وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق، عادت لتمر بعد الهجمات الإرهابية بالطائرات المخطوفة على نيويورك وواشنطن بمرحلة برود وشك متبادل، وهو ما ينذر بفترة حرجة قادمة للسياسة الأمريكية في المنطقة كما للحكومات العربية على السواء. ـ كاتب من البحرين