سألني صديق، بعد ان بدأت اخبار مذبحة مخيم جنين للاجئين تتكشف للاعلام العالمي: كيف يمكن ان تكون هناك اراض فلسطينية وبها ايضا مخيمات للاجئين فلسطينيين؟ نفهم ان يكون هناك لاجئون في لبنان او سوريا او الاردن، او في بلاد قريبة او بعيدة، ولكن كيف يصبح الفلسطينيون لاجئين في ديارهم؟ وكان السؤال في مظهره شرعيا ومبررا، ولكنه من جهة اخرى يبين مدى القصور في عدم التعرف على هذه القضية التي هي صلب القضية الفلسطينية. فقد شهدنا في الاسابيع الاخيرة «ثورة» اعلامية في محطات تلفزة عربية، اتخذ فيها المقدمون دور المحللين وتحدثوا بحماس شديد وعاطفة جياشة عن اي شيء وكل شيء باستثناء الشيء الأهم، وهو اللاجئون الفلسطينيون، الذي تحول الاستشهاد عند بعضهم، بطريقة تفجير الذات، الى رياضة شعبية، حيث حرم هؤلاء من حقوقهم الانسانية في اماكن لجوئهم، وهي في الغالب «عربية»! كما حرموا من العمل والعيش بكرامة. لقد أهينوا في بلدهم الأصلي بعد ان فقدوا حقوق المواطنة، ولم يلتفت سوى قلة في وسائل اعلامنا الى ان المعركة الحقيقية هي معركة مع النفس ومع الآخر: هي هذه القضية المعقدة، قضية اللاجئين. وفي المعركة الاولى انحل رباط غامض وغير محدد كان ولا يزال العرب مع الفلسطينيين يتحدثون عنه، ولكن لا يخرج التمني عن نطاق الكلام، بعد ان وقعت عدة دول عربية اتفاقات سلام مع اسرائيل، فأخذ الفلسطينيون او أولئك المقاومون على الارض مبادرتهم بيدهم، حيث لم يكن بالامكان الركون من جديد الى العواطف. ولأن مسألة اللاجئين مسألة جوهرية في المشهد الذي تتوالى صوره امام اعيننا، لم يكن بد من معرفة علمية بواقع ما يريدون هم او ما يريد ابناؤهم. في سنة ألفين اجرى مركز دراسات «اسرائيل وفلسطين» للأبحاث دراسة موسعة نشرت في شهر اغسطس 2001 تركزت حول رؤية اللاجئين الفلسطينيين انفسهم لحل او حلول لمشكلتهم، وكانت العينة المكونة من حوالي الفي شخص، من لاجئي 1948، وبعد ذلك 1967، في مدن وقرى ومخيمات تتناثر في غزة والضفة الغربية، من بينها مدن ومناطق اصبحت على رأس قائمة نشرات الاخبار هذه الايام، مثل رام الله ونابلس وبيرزيت وخان يونس وغيرها، وأجرى الدراسة الميدانية اربعة وثلاثون شخصا من سكان هذه المناطق، عن طريق المقابلة الشخصية المباشرة لأفراد عينة الدراسة. ليس هناك نقص او تقصير في القرارات الدولية حول اللاجئين الفلسطينيين بل يجيء التقصير في التنفيذ على الارض، فملفات القضية متعددة، منها الاهم وهو قرار مجلس الامن رقم 194 الصادر في الحادي عشر من ديسمبر سنة 1948، قبل اكثر من نصف قرن، والذي ينص على ان «اللاجئين الراغبين في العودة الى مساكنهم ويرغبون بالعيش في سلام مع جيرانهم، يجب ان يمكنوا من ذلك في اقرب وقت ممكن وتدفع التعويضات عن الممتلكات لأولئك الذين لا يرغبون، وحسب القانون الدولي يجب ان يعاد بناء ما أتلف أو دمر من ممتلكات للاجئين من قبل الحكومة او السلطة المختصة». بعد اربعة وخمسين عاما من اصدار ذلك القرار لا يزال ابناء اللاجئين الفلسطينيين وأحفادهم ينتظرون سلطة دولية تحقق لهم تنفيذ ذلك القرار الدولي، او اي قرار دولي خاص بشأنهم، مما يؤكد حق «العودة في اقرب وقت ممكن». نعود الى رأي اللاجئين انفسهم، فقد وجد الباحثون ان اغلبية من اللاجئين في الضفة الغربية وفي غزة يعتبرون ان قضية اللاجئين هي قلب القضية الفلسطينية، وأن هؤلاء يرون ان القضية يجب ان تحل في اطار الشرعية الدولية، اي تطبيق قرارات الأمم المتحدة، وخاصة القرار المشار اليه سابقا (194). لكن كبار السن من اللاجئين لديهم شكوك في ان ذلك يمكن ان يتحقق، الا ان الجميع لا يقبلون التعويض في مقابل حق العودة، اما الافتراض القائل بحق العودة فقط لأولئك الذين لهم عائلات في ارض فلسطين قبل 1948 فهو ايضا غير مقبول لدى الغالبية، وتظهر الدراسة ان هناك اغلبية لا تشعر بـ «الثقة» في قدرة المفاوض الفلسطيني على تحقيق نتائج ايجابية في موضوع اللاجئين، ويتعاظم عدم الثقة هذا لدى كبار السن (فوق الستين من العمر). فقط 11 في المئة من كبار السن ليس لديهم الاستعداد للعودة الى موطنهم الاصلي والعيش تحت الحكم الاسرائيلي، وترتفع هذه النسبة عند من هم اصغر سنا لتصل الى 29 في المئة، اما الاغلبية (85 في المئة من مجموع اللاجئين) كما تقول الدراسة فهم على استعداد للعودة الى مواطنهم الاصلية حتى تحت الحكم الاسرائيلي، كما توجد أغلبية تقول انها تريد ان تعود حتى لو لم يكن هناك اي تعويضات. اما الملاحظة الاخيرة فتتعلق بأن اغلبية من كبار السن (60 في المئة) يعتقدون انه لا حل لمشكلة اللاجئين في حين تنخفض النسبة لتصل الى 23 في المئة بالنسبة للجمهور العام من المستجوبين. باختصار: ماذا يمكن ان يقرأ من مثل هذا الاستطلاع لآراء اللاجئين، وهو استطلاع علينا ان نتذكر انه قد جرى ابان اشتداد الانتفاضة الاخيرة التي اندلعت في أواخر سبتمبر 2000، ولكن قبل احداث سبتمبر 2001، وكلا الحدثين قد غيّرا الجو السياسي في المنطقة تغييرا جذريا! يمكن قراءة شيء آخر وقد تحدث عنه المستطلعون بوضوح، انه عدم الثقة في «القيادة» حيث اعتقد الكثيرون ان متخذي القرار السياسي الفلسطيني لا يلتفتون الى آرائهم، ولا يراعون توجهاتهم ولا شك في انه يجب على القيادة الفلسطينية ان تنظر الى هذا الامر بعين الاعتبار، بعد كل التطورات الحاصلة. واضح من الاستطلاع المشار اليه ان الشباب هم اكثر تصميما وعزيمة من الجيل السابق، وهم الذين يقدمون اليوم التضحيات الكبيرة، ويغرسون ثقافة المقاومة الجديدة، ومن خلالهم سوف ترسم شروط الاتفاقات المقبلة من اسرائيل، وهي شروط تتغير باتجاه الاعتماد على النفس، ومواجهة الواقع، كما انها لا تركن الى ذلك الرباط العربي الذي اعتقد جيل سابق ان الاستناد اليه والتعويل عليه يمكن ان يحققا العودة والنصر، بل ان التوجه ـ وان كان غير مرصود على السطح ـ الى تعايش في المستقبل ستكون له قواعد مختلفة عما نعرفه اليوم. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت