منذ أكثر من اسبوعين والجغرافيا العربية من البحر إلى البحر تتحرك على إيقاع الشارع والرأي العام، فبسطاء الناس، الطلاب، الاطفال، الكبار والصغار، هم الذين ضبطوا الايقاع وعزفوا أجمل الأغنيات لفلسطين وللشهداء وللقضية، دون ان ينتظروا امراً أو فرماناً عسكرياً أو اشارة من أحد، وبالأمس صمتت كل الانظمة العربية الكبيرة، ونطق لبنان الاخضر الجميل، فكان الناطق الرسمي باسم جماهير الشارع. لقد ترك كولن باول فلسطين، بعد ان اوشك على عقد صفقة مساومات، وجلس مع رجال السلطة ورئيسها ليملي عليهم وليعطيهم الفتات مقابل شلالات الدم التي أراقتها الآلة العسكرية الصهيونية في بلدات الضفة ومخيم جنين رمز الصمود والتحدي، ترك باول فلسطين وشارون يرغي ويزبد غير راضٍ عن صفقة الدم مقابل الفتات، وعرفات مازال رهين المحبسين، محبس الاقامة، ومحبس المساومات التي وافق عليها ففجر ضده الملايين! ترك باول فلسطين متوجها إلى بيروت، ليكمل مساوماته حيث الورقة الاخرى الخطيرة في المنطقة: حزب الله ومقاومو الجنوب اللبناني، لكنه لم يتوقع بالتأكيد ذلك الاستقبال الذي كان في انتظاره: آلاف المتظاهرين اللبنانيين يصرخون في وجهه بأن يعود من حيث أتى، منددين ساخطين، معلنين ما يجب ان يعلن وان يقال لأمريكا تحديداً، حيث لم يخرج صوت الشارع اللبناني الصارخ في وجه باول عن موقف كل الشارع العربي، لكنه بالأمس كان الناطق الرسمي باسم كل مواطن عربي. وان يصرخ رجل الشارع، وان يتظاهر الناس في كل مكان، فذلك طبيعي جداً في ظل كل الذي جرى ويجري خاصة وان حسابات الشارع تختلف عن حسابات الأنظمة، ورهاناته تختلف ايضاً، ومصالحه كذلك، لكن المفاجئ وغير المتوقع هو الموقف الرسمي اللبناني الذي أعلن بأكثر من شكل وقدم بهدوء وثقة وحرفية سياسية عالية في وجه باول، ذلك ان الجميع كان يعلم ما تحمله (أجندة) باول حينما توجه لبيروت، لكن الجميع ايضاً كان على يقين من ان لبنان سيقول نعم لكل الاملاءات الامريكية فيما يتعلق بحزب الله والمقاومة والموقف الرسمي منهما. ما حدث قلب التوقعات، فالموقف الرسمي للحكومة كان واضحاً: الوقوف الى جانب المقاومة والجنوب وحزب الله باعتباره حركة تحرر مشروعة وليست حركة ارهاب على الاطلاق، هذا ما كان يجب ان يقال، وهذا ما أعلنه لبنان الصغير مساحة الكبير جداً في مواقفه دائماً وابداً. صفعة اخرى يوجهها لبنان الجميل الى قوى القبح والطغيان، الاولى لدولة الكيان في الجنوب، والثانية لأمريكا في بيروت، ومثلما تحدث الحجر وأطفال فلسطين، وأذاقوا شارون وجيشه ألوان الشقاء والرعب، فإن لبنان فعل ويفعل الشيء نفسه بانتظار ان تكبر قافلة الحق، وتنطق به في وجه كل هذا الفجور السياسي الذي يكاد يغرق العالم من أقصاه الى أقصاه. تحية الى شهداء فلسطين، تحية الى الصامدين الكبار في بلدات الضفة من أصغر طفل الى أكبر رجل وامرأة، وتحية بحجم الأفق للبنان الصامد الأخضر الذي نطق حقاً فاسترجع الجنوب، ونطق حقاً فأعلى الهامات والرؤوس، ومع صرخة الحق هذه صار لبنان وصار الجميع يتكلمون جنوباً.