في الحادي عشر من سبتمبر الأمريكي صلى الملايين صلاة الغائب على أرواح الذين قضوا تحت أنقاض برجي التجارة العالمي ومبنى البنتاجون وركاب الطائرات التي تحطمت، وأشعلت ملايين الشموع في أنحاء العالم وميادينه حزناً على الضحايا. واليوم تتحلل جثث سكان جنين وأبطاله فوق الأنقاض وتحتها ولا أحد يفعل الشيء نفسه لا من عرب مسلمين ولا من عرب مسيحيين ولا من يهود.. بل يصمت العالم كله وأولهم أمريكا، عن حالة جنين اليوم مثلما صمت أمام مشهد الجريمة الذي بث على الهواء مباشرة. الصليب الأحمر يبحث عن طرق ووسائل لدخول المخيم المنكوب، يبحث عن جرارات وآليات لرفع أطنان الحديد والاسمنت لانتشال ضحايا او انتشال احياء. لكن دون جدوى فمثلما يضرب شارون وتؤدب امريكا، يتنكر العالم كله لبقايا وأشلاء الشهداء من أطفال ونساء ورجال، وكأن الذين ماتوا في جنين يستحقون مجازر شارون وتنكيله بهم. نعرف ان امريكا لا يهمها ان يحترق مليون عربي في مكانهم ويتعفنوا ونعرف ان حكومة اجرامية كحكومة شارون تتشفى الآن في ظل هذا الصمت المخزي. لماذا لا يعد العرب في ادنى درجات المواساة والوقوف الى جانب الأهل المنكوبين ملفات التجريم والادانة مثلما يفعل شارون اليوم وهو يطلب من وزيره اعداد ملف عرفات وسلطته لتقديمها الى القضاء بجريمة الارهاب؟ لماذا لا تتحرك الحكومات والمؤسسات العربية على كافة الصعد المتاحة لها في الداخل والخارج، في المحافل الدولية ولدى المنظمات المعروفة لتطالب بحرمات الأموات على الأقل، طالما انها لم تطالب ولم تفعل شيئاً لصون حرمات الأحياء أليس هذا هو القليل المخزي الذي يجب ان نراه هذه الأيام على الأقل؟ الذين صلوا صلاة الغائب على ضحايا البرج التجاري والبنتاجون والطائرات من على بعد آلاف الأميال البعيدة، قادرين على أداء الصلاة ذاتها لأولئك الذين ترقد جثامينهم المفجرة والمحترقة والمتحللة في جنين. هم ليسوا مجرمين ولا ارهابيين كما يراد لنا ان نبتلع هذه التهمة، وهم اهلنا والشهداء الذين ما ركعوا للسوط والمدفع والصاروخ، هم اولئك الذين سطروا لنا ملحمة الدفاع عن الحرية والكرامة ورفعوا رؤوسنا التي نكسناها جبناً وما زلنا. لماذا نتركهم هكذا، ولماذا تترك آثار الجريمة للريح كي تمحو سوءاتها؟! هم أهلنا ودمنا دمهم وذممهم في رقابنا الى يوم الدين..