فلسطين منذ التاريخ محط القلب في عبادتنا لرب العالمين، فهي لم تفارق صلاتنا وصيامنا وحجنا ودعاءنا بالطبع، فلن تكون غير ذلك مهما حاولت السياسة سلخ العبادة عنها بتقوية العلمانية في جذورها. بمعنى آخر، اننا نتعبد بفلسطين كما كان دأب الانبياء في قافلة البشرية الاولى، فمهما ابتعدنا عن طريق العبادة العملية وتقصيرنا في فروع العبادات المعروفة، إلا ان أصل الايمان لدينا في جذور القلب ولا يعلم به غير رب العالمين الذي فرض علينا خصوصية تلك العبادة. والدليل القاطع هو هجمة الناس بكل مستوياتهم الايمانية نحو القدس، فاللاهي قبل غيره والبعيد عن الرب قبل الظان او الواهم بقربه وهو في الحقيقة ابعد من اللاهي عنه. فلسطين ارض العابدين من كل الاديان السماوية، تقف اليوم امام هذا الوحش الكاسر تريد من يرفع عنها ظلم العقود الماضية بكل ما تحمل من مآسي دير ياسين او جنين، فالجرم واحد مع اختلاف الشهود. ان تقوية هذا البعد العبادي يساعد في بقاء جذوة العمل مشتعلة في نفوس الأجيال التي تصدم بتراجع السياسات العربية الرسمية لفعل شيء او وضع حجر للبناء، فاسرائيل ليست وحدها التي تهدم من تلقاء ذاتها، فالقرارات التجارية عبر الصفقات المشبوهة لبيع الباقي هنا تضرب بكل آمال الامة في جدار اليأس، لولا تلك العبادة السارية في نفوس عباد أولي بأس شديد، تريد اسرائيل تحطيمها بكل ما تملك وبمساعدة عربية واضحة. اننا نواجه اداء فرض من الفروض العبادية التي لا تسقط عن الامة الا اذا ما تواترت على أدائها في كافة اشكالها المالية والاستشهادية والمعنوية. من هنا تخرج العبادة من خلال فلسطين من اطارها المكاني والزماني المحدود بالجغرافيا الى شمولية الاتجاه نحو اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين بجدارة، بعد السعي في ازالة جدران الصمت الذي خيم على الامة العربية والاسلامية طويلا اخذ من عمر الاجيال افضل الامكانات ألا وهي زهرة الشباب المسجون في ارض يسامون فيها كل أنواع العذاب والضيم. فغدت فلسطين بهذا محط انظار جميع العابدين الذين يودون التقرب الى المولى في أعز مقدساته وهو امر يجب عدم السماح له بالتعرض للمساومة السياسية القائمة بين اطراف القضية المطروحة على العالم للبحث عن حل نهائي وسريع ودائم بعد الغاء ثوابت الامة من اقصاها الى اقصاها.