يوم الخميس 11 ابريل 2002 خلد الشارع العربي مجد البطولة في موقف شعبي عربي عام.. مجد الشعب الفلسطيني الذي تجلى بطلاً في صمود مخيم جنين والبلدة القديمة في نابلس.. مجد الشهداء والمجاهدين والمقاومة العظيمة في كل المواقع والمواقف التي قدمت أروع نماذج التضحية وأفضل صور الرد على الصهيونية النازية في اجتياحها الأخير للضفة الغربية، على الرغم من الاختلال الكبير في موازين القوى لمصلحة العدو، وهو خلل يشمل السلاح وأدوات المواجهة كما يشمل الدعم والإسناد المادي والمعنوي، كانت الإرادة الحية تواجه السلاح الأمريكي المتطور المحمول على أبشع عقيدة عنصرية في التاريخ، وكان الدم النبيل المتوثب في العروق يقاتل الحقد العنصري القذر المتمترس وراء جدر من حديد ونار. وكانت الحضارة الحقة تقاتل الزيف والادعاء والإرهاب والخداع بكل صوره العصرية، كان المخيم يقاتل تل أبيب وواشنطن. لقد سقط مخيم جنين، سقط لنفاد الذخيرة وليس لنفاد العزيمة أو لضعف إرادة القتال أو لنضوب ينابيع التضحية التي انداحت في سهول فلسطين وهضابها وجبالها ومدنها أرواحاً تبحث عن شهادة.. سقط المخيم لأن المقاومين كانوا معزولين عن كل نوع من أنواع المدد في ليل الحصار الصهيوني الذي اخترقته أصوات الجماهير العربية الغاضبة ولم تخترقه قوة الجيوش العربية المكبلة أو السلطات والسياسات العربية العتيدة لا بسلاح ولا بدواء ولا بغذاء ولا بماء. صحوة شعبية وإذا كنا اليوم نسجل إحدى أروع لحظات الصمود والفداء التي سطرها شعبنا الفلسطيني في تصديه للعدوان الهمجي فإننا نسجل في الوقت ذاته واحدة من أسوأ لحظات البؤس والعجز في السياسة العربية، وواحدة من لحظات اليقظة الجماهيرية العربية المبشرة التي سوف تستمر ـ إن شاء الله ـ إلى أن يتحقق تغيير جذري في النظام الرسمي العربي واستراتيجياته بفضل الوعي وضغط الشارع العربي، تغيير باتجاه يقظة وحياة ما كان الاستعمار والصهيونية وبعض الناس قد اعتقدوا أنه انتهى وران عليه الماء: الشعور العربي والتضامن العربي والمسؤولية القومية عن القضايا المصيرية وعلى رأسها قضية فلسطين، والروح القومي العائد على جناح الإيمان بالله والحق والوطن، وهو ما تجسده تلك الصحوة الشعبية التي يعج بها الشارع العربي الآن الذي أخذ يسيل بالجماهير الغاضبة المنادية بمطالب محددة على رأسها: دعم المقاومة الفلسطينية وكل مقاومة ممكنة للاحتلال الصهيوني حتى يتحقق التحرير والنصر، ومراجعة العلاقات العربية مع الولايات المتحدة الأمريكية الشريك والحليف للكيان الصهيوني في حربه على العرب وحقده الدفين عليهم، وهي صحوة مسحت الغشاوات المتراكمة التي سحبها فوق العيون المستسلمون والمفاوضون والداعون إلى الاعتراف بالكيان الصهيوني وتطبيع العلاقات معه، والمهرولون إلى أعتابه يطلبون صلحاً وصداقة، بين أبناء إبراهيم، وشهادات «حضارية» لهم ومنافع. كما مسحت كل الدعوات المسمومة لخيار وحيد نختاره في صراعنا مع العدو الصهيوني هو خيار «استراتيجية سلام لا تدعمها قوة من أي نوع أدت عملياً إلى سلسلة من التنازلات ومسلسل استسلام تقودنا إليه المفاوضات وما تسفر عنه من اتفاقيات»، وهو خيار يجردنا، لأنه وحيد، من حرية الاختيار ومن كل أسباب القوة التي نحتاج إليها للدفاع عن أنفسنا وأرضنا، كما يجردنا من الخيارات الأخرى وفي مقدمتها خيار التحرير الذي لا معدى لنا من الإعداد والاستعداد له في ظل مواجهة مكشوفة لمشروع صهيوني ـ أمريكي استعماري عنصري استيطاني يستهدف أرضنا وهويتنا وعقيدتنا وحضارتنا ووجود الشعب الفلسطيني برمته، كما مسح ذلك من الأذهان كل تفكير بإمكانية التعايش مع الكيان الصهيوني، لأن الدم العربي الذي أريق وانتهك في مخيم جنين وحي الياسمينة في نابلس ودم كل الشهداء الفلسطينيين والجرحى ومعاناة المعتقلين والمشردين، كل ذلك كتب على أعصاب العرب وأوردتهم وشرايينهم حقائق الصراع العربي الصهيوني بوصفه صراع وجود، وحقائق الطبيعة العنصرية للصهيونية وممارساتها الدموية الوحشية، وحقائق العداء الأمريكي للأمة العربية وثقافتها وحضارتها وعقيدتها ، ورد على كل أنواع التحالفات ضد ما تسميه الولايات المتحدة «حربها ضد الإرهاب» وهي حربها على من يقاوم الاحتلال الصهيوني والعنصرية الصهيونية ومصالحها الاستعمارية والمادية في المنطقة ، بتحالف شعبي عربي ضد العدوان العالمي: الصهيوني ـ الأمريكي الذي يستهدف العروبة والإسلام والعدل والحرية في أرض العرب، وصحوة الشعب العربي لن تتوقف أو تموت بل أراها تتنامى وتتصاعد حتى تحقق توجهاً نحو امتلاك قوة منقذة تحرز النصر المؤزر بعون الله. استغاثة لم تلامس نخوة لقد انطلقت الاستغاثات من المدن والمخيمات والقرى في فلسطين.. انطلقت من أفواه النساء والأطفال والشيوخ الذين تحاصرهم الدبابات ويحصدهم الرصاص ويئن أمامهم الجرحى وتتفسخ أمامهم جثامين الشهداء، ولا يجدون الدواء أو الماء أو الغذاء أو ما يمكنهم من إسعاف جريح أو دفن شهيد.. وانطلقت من أفواه المثقفين والمعنيين الذين شاهدوا حصار كنيسة المهد والتدمير الذي لحق ببعض مبانيها وآثارها وبالمساجد والآثار الثقافية الهامة: كنعانية وبيزنطية وإسلامية في نابلس القديمة تطالب بحماية الآثار والأوابد الحضارية من أعداء الحضارة والإنسان.. وانطلقت تناشد ذوي الحول والطول في وطن العرب ليمدوها بعون وينقذوا ما يمكن إنقاذه مع حيوات أو عمران أو آثار ولكنها لم تلامس نخوة ولم تحرك إرادة فاعلة وحرصاً على العلاقات والقيم والثقافات والمقدسات، ولم تفك المغاليق عن جيوش أو تستنفرها لمجرد التلويح بالوجود والقوة والنخوة، ولم تفلح أيضاً في جذب من يستخدم إمكانيات ضغط من أي نوع أو يلوح باستخدامها ليرد اعتباراً للدم العربي البريء والألم الإنساني الفظيع وليردع الإرهاب الصهيوني المهلك الذي حاصر الإنسان الفلسطيني ويفتك به أياماً بعد أيام تحت سمع العالم وبصره في رام الله والبيرة وبيت لحم وطولكرم ونابلس قديمة وجديدة وفي قلقيلية وجنين والخليل وفي المخيمات الكثيرة والكبيرة المنتشرة على هوامش المدن وفي القرى الفلسطينية التي اجتاحتها دبابات العدو الصهيوني وحاصرتها بالنيران وقصفتها بالطائرات والصواريخ بهدف الإبادة المنظمة للإرادة والناس والحضارة والمقدسات معاً. لم يسعف أحد بنخوته الفلسطينيين المستغيثين بل سمعنا في أرض العرب من يسخر من غفلة بعض من يصفهم تاريخ العرب بالنجدة والنخوة ويكرسهم رمزاً لها .. يسخر من الخليفة المعتصم تحديداً الذي هب لنجدة امرأة عربية استغاثت به في عمورية فجهز جيشاً وسعى من أجلها إلى عمورية حاملاً راية العرب ونخوتهم، حيث شفا هناك في ساحة الوغى قلباً اكتوى بالنار.. قلباً استصرخ حاكماً مستجيراً به من الذل والموت والعار فكان له ما تمناه من شفاء على يد ذلك الحاكم المسئول. صحيح أن تلك أعمال مكلفة اليوم والارتجال فيها قتال وتحتاج إلى حسابات سياسية واستراتيجية دقيقة ما في ذلك أدنى شك ولكنها الأعمال التي ينبغي أن يعد الرجال والساسة أنفسهم وأجيالهم وشعوبهم وجيوشهم وبلدانهم لها ليكونوا مستعدين لما قد يُفرض عليهم في أي وقت من الأوقات وما يقتضي استنفار قواهم واستخدامها في كل موقف عصيب وفي مواجهة أي خطر داهم ، وإلا كان الانتهاك والدمار وكان العار والخسران المبين معاً ثمناً باهظاً للتقاعس أو الغفلة أو سوء التدبير وسوء التقدير، ذلك لأن الدفاع عن الإنسان والحق والوطن واجب دائم فكيف حالنا معه والتهديد يصبح ويمسي معنا والاحتلال جاثم على صدورنا والعنصرية البغيضة تفتك بنا منذ عقود من الزمن ونحن بين طالب سلامة وطالب استسلام؟! ودفاع القوة عن حقها وعمن هم في ظلها الشرعي والقانوني واجب في المواقف الفاصلة في التاريخ والحياة وهي التي تميز حياة من موت، وتقدماً من تخلف ، ورجولة كريمة من ذل مقيم، ووعياً من غفلة، وحسن تدبير من سوء تدبير وتقدير، ووطناً حياً قوياً من مساحات مهملة من الأرض والبشر يكرج فيها اللحم أناساً ويتراكم فيها الطين مدراً والخضرة حطباً. قوة بلا ارادة نحن منذ بدأ شارون اجتياحه لنا في فلسطين أرضاً وشعباً ومؤسسات وقرارات، نحن في وطن العرب بين سائل عن «باول » ومناشد «بوش»، بين مستجد لعطف الأمم وواقف على أبوابها وباب مجلسها العتيد لترفع الحيف والسيف عن رقاب الناس في فلسطين وكابوس الذل عن نفوس الناس في أرض العرب، والجواب الذي يأتينا باستمرار وتكرار يتضمن تحقيراً واتهاماً لنا بالإرهاب وتهديداً لنا باستمرار الحصار والقتل والدمار إذا لم نوقف ما نسميه مقاومة مشروعة ضد الاحتلال ودفاعاً عن النفس ويسمونه إرهاباً وقتلاً متعمداً «للمدنيين» المحتلين؟! لم نفلح في جعل بوش يفهم أننا قد اضطررنا لطلب الموت لكي توهب لنا الحياة ، وأنه حين يضطر الإنسان لطلب الموت لا يأساً من الحياة وإنما رفضاً للذل وطلباً للحرية والاستقلال والكرامة والقيم التي تجسد معنى الحياة ومبناها، ودفاعاً عن المقدسات والهوية.. عن الجغرافية والتاريخ فإنه يجب أن ينصف معنوياً على الأقل لا أن تسلط عليه أبواق الأمم لتشوه صورته ونضاله وموته؟ ولكن هذا الذي ننشده ونترقب حصوله يكون من أمم منصفة وقوى عادلة، أو يكون استجابة منها لطلب عادل إن لم تتم الاستجابة له فإنه تُخشى قوة أهله ونحن وضعنا أنفسنا على نحو ما في وضع لم تكن فيه الولايات المتحدة الأمريكية التي نناشدها ونضع معظم أوراقنا بيدها، لم تكن قوة عادلة أو منصفة تجاهنا في يوم من الأيام بل كانت وما زالت منحازة لعدونا وحليفاً معلناً له مما يجعلها منطقياً عدواً لنا ومع ذلك نسلمها معظم رقابنا وأوراقنا، ولم نكن أصحاب قوة يحشدها التضامن والوعي العربيان المسؤولان لتفرض هيبتها وقوتها وحقها ومطالبها ومصالحها على الآخرين ومنهم الولايات المتحدة سيدة عالم اليوم. وهذا يجعلنا نطلق السؤال: إلى متى يبقى وضع الانتهاك والتهالك مسيطراً علينا رسمياً، وإلى متى يبقى شعبنا من دون إعداد علمي واجتماعي ونضالي لمواجهة ما يواجهه من أخطار وما تفرض عليه من معارك ومواجهات وتحديات؟! إلى متى تبقى أموالنا وثرواتنا الطبيعية وقراراتنا المصيرية بيد أعدائنا أو حلفاء أعدائنا ولا نخطط لاستنقاذها وتحريرها منهم وجعلها في خدمتنا نحن في وطننا نحن؟! إلى متى تبقى سيوفنا صدئة والإرادات ومعادن الشعوب كالسيوف لا تجلوها إلا المواجهات التي ينتصر فيها الدم والسيف معاً والدم بالسيف أولاً على الظلم والقهر والاستعمار والعدوان وأشكال العنصرية البغيضة والصهيونية النازية الجديدة؟! إلى متى نبقى صوتاً بلا صدى ، وقوة بلا إرادة ، وإرادة بلا قرار، وقراراً بلا تنفيذ وأقذر الناس وأشدهم جبناً يفتكون بنا وبأطفالنا ونسائنا من وراء جدر الحديد والنار ؟! تلك هي أسئلة الأيام الفلسطينة المدماة التي تكتب سطورها على جباهنا من المحيط إلى الخليج بدم شهداء الانتفاضة والمقاومة ، بدم شهداء مخيم جنين ونابلس القديمة ، وتضع على قلب كل منا بصمة سؤال دم الشهيدات الفلسطينيات وآخرهن آيات الأخرس، اللائي كان يتوجب علينا أن نحميهن مع الأطفال والمقدسات فبادرن إلى افتدائنا والمقدسات وربما بهدف تحريكنا هن والأطفال في فلسطين ولكن.. مع ذلك ورغم ذلك.. بقي دم متجمد في العروق وألف سؤال بلا جواب يدوم في فضاء أرض العرب.. فإلى متى... إلى متى: هذا هو سؤال الأيام الفلسطينية المرة المدماة اليوم نحمل ثقله معاً؟! ـ رئيس اتحاد الأدباء والكتاب العرب