بنت الأربع عشرة سنة تدفع كل ثروتها البالغة 250 ألف درهم طوعاً للغالية فلسطين، وهو جزء من مهرها الذي لم يستوف حتى الآن كما يجب. ومصدر تلك الثروة المتواضعة هي فوزها في مهرجان التسوق بالدوحة بعقد تلك قيمته وقد فرحت في ذلك اليوم كثيراً إلا ان تمام فرحتها والدموع الساخنة والسخية تنهمر من عينيها، لم يكن إلا فداء لفلسطين وقد كفّت ووفّت. أليست هذه ملحمة تاريخية في العطاء الجزل تتكرر عبر الزمن؟ كلما ضاقت على الأمة الكربات وظنت انها قد قضي عليها، فاجأهم نصر رب العالمين من حيث لا نحتسب. ومن يملك منّا القدرة على هذه الحسبة الربانية الدقيقة؟ الامارات، حكومات وشعوبا مواطنة ومقيمة، متلاحمة في هذا الاتجاه الذي لا محيد عنه، لقد اختارت طريق البذل المستمر لخدمة الأمة الكبرى، فلسنا نرى دون هذا المستوى حياة تنطق بالحق إلا في أبهى حالاتها وأنصع صورها التي تسير بها الركبان عبر جميع القنوات الفضائية بعد ان كانت الملاحم السابقة في التاريخ أرضية الانتشار. عند صناديق التبرعات يمر صاحب سيارة همه هذا التجمع الممتد على الخير وقد هاله منظر الأطفال وهم يتنازلون عن ثرواتهم وهم أحوج الى شيء من المال يضمنون جزءا يسيرا لمتطلبات حياتهم المستقبلية فلم يصبر على ذلك المشهد وقد طلب منه التعبير عن ذلك الشعور بكلمات عبر الأثير علّه يخرج بها الماء من القلوب القاسية فاعتذر ليس ضعفا منه على المواجهة، بل لأنه رجل لا يريد ان يعرض دموعه على المشاهدين والمستمعين، فيفضل على ذلك ان يكون عمليا أكثر من دموعه فيتناول ورقة بيضاء إلا من نور الصدقة ليكتب دون تردد على الفور تنازلا عن سيارته وسمّاها كل ثروته ويسلّم الملكية والمفتاح وكل ما يسهل توصيل هذه الصدقة الى أهلها بين أيدي الامناء من رجال الأمة العرب والاسلام. الامارات ومن ورائها دول الخليج تعيش حالة غير طبيعية من عمرها الذي لم يسمع عنه غير الخير العميم، يوم ان كانت الصحراء قاحلة وقاتلة، فكيف بها اليوم وصاحب السمو رئيس الدولة يعلنها علانية مدوية صرخته المعهودة قائلا: «اننا لم نعمر هذه الدولة إلا بأيدي اخواننا العرب ومن جملتهم اخواننا الفلسطينيون الذين وجدوا في الامارات والكويت والسعودية وعمان ثم قطر والبحرين مأمنا وفرجا لهمومهم يستظلون بسمائها ويفترشون أرضها ويسترزقون من خيراتها، فقد جاء اليوم الذي نرد لأصحاب الفضل الأوائل جزءا يسيرا من فضائلهم». فهل بعد هذه الدرر من شيء؟! فلنمض جميعا على هدي فخر العرب زايد ومن خطا خطاه.