من زمان بعيد فتح جيلنا العربي عيون الطفولة وارهف اسماعها على ايقاع قصيدة كان قد غناها محمد عبدالوهاب عام 1943 وقد ابدعها أمير الشعراء أحمد شوقي بعنوان (دمشق) مطلعها المعروف: سلام من صبا بردى أرق ودمع لا يكفكف يا دمشق لم يكن الطفل في جيلنا ليفهم حق الفهم حكاية دمشق وبردى ولا أسباب هذه الدموع التي ذرفها شوقي بك وعبرت عن هتونها موسيقى الفنان عبدالوهاب.. شيئا فشيئا بدأت المعاني تتسرب الى الوجدان وشرعنا نتوقف ولو بقدر من الفهم أو فلنقل فضول الفهم الى قول الشاعر والمطرب: دم الثوار تعرفه فرنسا وتعلم أنه نور وحق نصحت ونحن مختلفون دارا ولكن، كلنا في الهم شرق ومغتم بين موت أو حياة فإن رمتم نعيم الدهر، فاشقوا ثم ها هو الوجدان الصبى وقد تغشته نوبة من حماس حين يصل اللحن الى بيت عند الختام يقول: وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق وعلى مهاد تلك القصيدة التي كانت اذاعات القاهرة تبثها بين حين وحين، وبعد ان بدأنا ندرس شذرات من التاريخ العربي الحديث ادركنا كيف يعبر الشاعر المبدع عن نبض أمته على نحو ما فعل أحمد شوقي، وفهمنا ان ثمة شعورا مستكنا في أعماق الضمير هو شعور العروبة، ذلك الاحساس الذي جعل الشاعر والمغني، وجعلنا من بعدهما، نحس بآلام ناس في بلد يدعى سوريا قد انتفض بثورة ضد مستعمريه الفرنسيين في منتصف العشرينيات من القرن الماضي حيث كافح مناضلون وسقط في ساحات الشرف شهداء وقدمت تضحيات. ومع سنوات الصبا.. تناولنا تاريخ الثورة الفرنسية وكان ان فهمنا السبب الذي جعل شوقي يحاول تذكير فرنسا ذاتها بدم ثوارها الذي اريق على مذبح شعورهم الوطني رغم انها تنكرت لكل هذا التراث من الوطنية والثورية حين استبدت بها مطامع الاستعمار. هذا هو بالضبط الذي قادنا الى أن نقرأ عن (كلود جوزيف روجيه دي ليل) هذا هو الاسم الكامل لفرنسي شاب كان يجمع بين احتراف الهندسة وهواية الموسيقى. جندوه في سلاح المهندسين بجيش الثورة الفرنسية.. كان ذلك عام 1792 ولم يكن قد مضى على قيام ثورة فرنسا الكبرى - لما لا شك تتذكر - سوى ثلاث سنوات ظلت الثورة تقاوم خلالها مؤامرات التخريب من الداخل ومخططات التأليب من الخارج وكان اخر تلك المخططات موجات الهجوم التي تضافرت قوى اوروبية كثيرة - في طليعتها دولة النمسا - الامبراطورية في ذلك الحين لكي تعيد تاريخ فرنسا وربما تاريخ أوروبا والعالم الى الوراء بمعنى ان تدمر الثورة وتعيد آل البوربون الى عرشها بقصر فرساي في باريس. كان الجيش الامبراطوري المعادي متمتعا بكل ميزة ممكنة من حيث العدد والخبرة ومن حيث التسليح والامكانات.. أين هذه الامكانات من جيش الثورة الذي جمعوا له أفراده، جنودا وضباطا، كيفما كان.. فلولاً كانت من المتطوعين والمستجدين والهواة، هنالك أحس عمدة مدينة ستراسبورج الذي رابطت فيها فلول المدافعين عن الوطن ان جنود فرنسا بحاجة الى إذكاء روحهم المعنوية وربما جاءت الأمسية التي اسر فيها بخواطر الى المهندس - الموسيقى الهادي روجيه دي ليل قائلا: - أيها المواطن الكابتن.. ليتك تصنف لنا أهزوجة يزحف جنود الجمهورية على ايقاعها والحق اننا لا ندري كم من الساعات الطويلة أو الليالي المسهدات بأرق الابداع وروح الوطنية أمضاهن الضابط الشاب وبعدها خرج على قومه بكلمات ونغمات لنشيد جديد اختار له عنوانا أقرب - كما نتصور - إلى عناوين التقارير الدورية يقول: - أغنية حربية لجيش الراين. وحين استمع الجنود الفرنسيون الى انشودة الحرب هذه انشدت عزائمهم وارتفعت معنوياتهم واستطاعت فلولهم، بأسلحتها الساذجة ان تهزم وتصد جيوش امبرطورية، الهابسبورج الآتية - عبر سهول اوروبا من النمسا. ولما كان معظم هؤلاء الجنود قادمين من أرياف مرسيليا وحواضرها.. فقد تطور الامر الى أن نسبوا الانشودة الجديدة، المولودة بين نيران الحرب - الى مرسيليا، الميناء الفرنسي الأشهر المطل على شطوط البحر المتوسط. ومن ثم اصبحت الانشودة هي النشيد الوطني لفرنسا على مدى 210 أعوام حتى في كتابة هذه السطور، وطبعا تحت الاسم الشهير - المرسيليز. مع ذلك فقد صادفت انشودة الضابط الفنان (كلود جوزيف روجيه دي ليل) صعوبات قبل ان يكتب لها ما اصبحت تنعم به من شهرة الخلود. صحيح ان صدر مرسوم باعتمادها نشيدا وطنيا للجمهورية الفرنسية في 14 يوليو من عام 1795 - العيد السادس للثورة الفرنسية الكبرى الا أنها صادفت مصير الحظر والمنع والمصادرة أولا خلال حقبة نابليون الذي اعلن الامبراطورية فقد كان النشيد يكرس الجمهورية ثم حقبة لويس الثامن عشر (عام 1815 بعد اندحار نابليون) لان النشيد - كما هو بديهي - حافل باشارات الى الثورة ويستدعي اطيافها وذكرياتها وعندما جاءت حقبة لويس فيليب عام 1830 اعيد المارسيليز نشيدا وطنيا لفرنسا ومع ذلك جاء نابليون اخر - هو نابليون الثالث ليصدر مرسوما امبراطوريا بمنع النشيد الذي ظل محظورا حتى أعيد الاعتبار والمكانة في عام 1879 (العيد.. المئوي ـ باسم الله ما شاء الله ـ للثورة الفرنسية) ومازال المرسيليز حافظا مكانته حتى كتابة هذه السطور ومازالوا يرددون أهازيجه التي تبدأ بأبيات من الشعر تقول: هيا يا ابناء الوطن فقد حان يوم المجد كي نتصدى للطغيان ونرفع الراية مضمخة بالدماء.. الخ واذا كانت أنشودة دمشق قد توارت في ركن من الذاكرة العربية المعاصرة - على الاقل مع تواري المناسبة التي سجلتها في دفتر التاريخ العربي، فثمة انشودة غناها عبدالوهاب ايضا مابرحت تتجدد في الضمائر والاسماع هي انشودة (فلسطين) التي عادت وسط وهج الاحداث الاخيرة في وطن البطولة والشهادة والبسالة في غزة والضفة الغربية للأردن - عادت لتدق على جدران الذاكرة ولتؤكد على أن الفن الصافي والصادق المعبر لا يمكن ان يشحب أو يذبل أو يموت. ظهرت انشودة فلسطين الى الوجود عام 1948 متزامنة في ذلك مع نكسة اغتصاب الوطن الفلسطيني الجريح وهي كما تعلم من ابداع الشاعر علي محمود طه الذي سبق ان كتب لعبدالوهاب عددا من روائعه الشوامخ وعلى رأسها (الجندول) و(كليوباترا) ويعدها نقاد الفكر الموسيقى( الباحث اللبناني الدكتور فيكتور سحاب مثلا ) من عيون الانتاج الفني الوهابي حيث تتميز في رأيه بميزة (سبك قوي متماسك)، لاسيما عندما يعمد اللحن الى تكرار لحن المقدمة في قول الشاعر: أخي أيها العربي الابي أرى اليوم موعدنا لا الغدا وبعده يستعيد اللحن اجواء المقدمة عند بيت اخر يقول: أخي ان جرى في ثراها دمي واطبقت فوق حصاها اليدا ففتش على أمة حرة أبت ان يمر عليها العدا الا ترى الى أن نتأمل معاني البيت الأخير - الشطر الثاني بالذات ـ ونستعيد ذكريات الأيام القليلة الماضية حين قرر المناضلون في مخيم جنين الفلسطيني الا يمر العدو الغاصب المتجبر الا على أجسادهم.. وقد جاء العدو في بروج الدروع متحصنا في جبن الدبابات.. فيما كانوا يدافعون عن كرامة المكان بأسلحة البسطاء وإرادة الجسورين المؤمنين.