مع كل منعطف كبير يمر به الصراع العربي الصهيوني يبدو الخلل واضحا في موازين القوى، ومن ثم، تطرح للنقاش بقوة قضية العلاقات العربية ـ العربية بوصفها الأرضية الصحيحة لأي عمل يستهدف مواجهة المشروع الصهيوني. ومنذ مقتل إسحاق رابين يتجه هذا الكيان إلى مرحلة جديدة من التوسعية بعد أن فشل إيهود باراك وشيمون بيريز في إنضاج تسوية سلمية قادرة على الاستمرار. ومؤخرا بدأ هذا الكيان يسفر عن نيته توسيع ميدان المواجهة ليمتد خارج فلسطين المحتلة بدرجة ربما لم تتكرر منذ «حرب الأيام الستة» عندما احتل الجيش الصهيوني أجزاء من أربع دول عربية تبين مؤخرا أن الجيش الصهيوني احتل في هذه الحرب أرضا لبنانية!! البناء تحت القصف وعلى إيقاع المخاطر، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على إنشاء جامعة الدول العربية، تقرر عقد القمة العربية دوريا وهو ما وصف آنذاك بأنه «تحول تاريخي»، رغم أن هذا التحول المشكوك في استحقاقه وصف «التاريخي» لم نستطع أن نهنأ به طويلا، إذ جاءت القمة الأخيرة في بيروت بما سبقها من مشكلات وما شهدته من عواصف، لتضع العديد من علامات الاستفهام على مدى دقة الوصف الكبير الذي أسبغه المتفائلون على دورية الانعقاد، فقبل أن تبدأ غاب عنها أكثر من عشرة من الحكام العرب قليل منهم منعتهم ظروف صحية معروفة مسبقا، كما تخللتها عواصف كادت تخرجها من التاريخ تماما. ولم تكن دورية القمة وحدها التحول العربي الذي يوصف بأنه تاريخي، فعندما زار الرئيس المصري بيروت بعد قصف إسرائيلي استهدف محطات كهرباء كانت الزيارة الأولى لرئيس مصري لبيروت منذ واحد وأربعين عاما. وقبل ذلك بقليل عندما قام الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي عهد المملكة العربية السعودية بزيارة لليبيا للمساهمة في حل مشكلة لوكيربي كانت سابقة في العلاقات بين البلدين. وبحضور الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد جنازة ملك الأردن الراحل الملك حسين كانت تحولا نوعيا في علاقة دولتين قربت بينهما الجغرافيا وفرقت بينهما التوجهات السياسية لسنوات طويلة. ومن المؤكد أن من يتتبع مؤشر الزيارات الرسمية التي يتم تبادلها بين مختلف الأقطار العربية يخرج بنتائج مثيرة، فبينما يحرص حكام عرب كثيرون على زيارة العاصمة الأمريكية واشنطن مرة كل عام، ويترسخ الإحساس بأهمية الزيارة في دبلوماسية هذه الدولة أو تلك من التمهيد الذي يسبق الزيارة، ودرجة الاهتمام بها في الإعلام الرسمي، تكاد الزيارات الرسمية التي يتم تبادلها تقتصر على عدد محدود من الدول تتسم دبلوماسيتها بالنشاط. ويشكل المعدل مؤشرا واحدا، فإذا أخذنا مستوى التمثيل في هذه الزيارات، ومدى ما يعكسه البيان الختامي الرسمي الصادر عن كل منها من جدية المباحثات، وأهمية الموضوعات التي تتناولها، والنتائج العملية المترتبة عليها فسنخرج حتما بنتائج، قد يكون بعضها صادما، لكن من المؤكد أنها لن تخلو من فائدة. المصالح أيضا تفرق ولم تقتصر المفارقات على علاقات الدول التي تتبنى كل منها توجها سياسيا يتباين مع ما تتبناه الأخرى، بل امتد ليشمل الأنظمة السياسية التي يجمعها توجه سياسي واحد، فالخصومة السياسية بين جناحي حزب البعث في العراق وسوريا تكاد تكون من أكثر الخصومات السياسية العربية حدة واستمرارا، وعندما تقاربت الدولتان إلى حد ما منذ سنوات كانت مصالحة فرضتها الضرورات وفشلت في أن تفرضها الروابط المتعددة وفي مقدمتها الانتماء لتيار واحد من التيارات القومية العربية، ولم تكن العلاقات بين التيارات الأخرى من القوميين العرب أفضل حالا. وكما فرقت الايديولوجيا بين البعض فرقت المصالح بين بعض آخر، ففي أقصى غرب الخريطة العربية في المغرب العربي لم تتحسن حالة العلاقات المغربية الجزائرية إلا لتسوء، أحيانا بسبب ملف الصحراء المغربية وأحيانا دون أسباب مفهومة!! ومع اختلاف التفاصيل، مرت العلاقات المصرية السودانية، والعلاقات المصرية الليبية، والعلاقات البحرانية القطرية، والعلاقات السعودية اليمنية، والعلاقات السودانية الخليجية.. بأزمات معلنة أو مكتومة، ومنذ انطلاق قناة «الجزيرة» الفضائية وعلاقات قطر العربية عرضة لهزات متلاحقة، أما العلاقات العراقية الكويتية، فحدث عنها ولا حرج. ولم تؤد كثرة الأزمات أو انتشارها في شرق الخريطة العربية وغربها إلى بلورة قاعدة ثابتة تكون أساسا للعلاقات العربية ـ العربية على المستويات كافة، وما زالت «دبلوماسية التحولات التاريخية» تحكم هذه العلاقات، رغم أن بناء نظام عربي قوي قادر على التفاعل مع الواقع يفيده العمل الهادئ الذي يتسم بالاستمرارية أكثر مما تفيده التحولات التاريخية التي تعزز الإحساس بأننا إزاء ظرف استثنائي، أو بالتعبير العربي الرائج «في لحظة فارقة من تاريخ الأمة»، وما زال الاستثنائي يمتد حتى صرنا نعيش «لحظة استثنائية ممتدة». ـ كاتب مصري