رغم انكشاف سوأة الاعلام الغربي بشكل فاضح من خلال تغطياته للأحداث الدائرة على ارض فلسطين وتقديمه لحادث مقتل ستة اسرائيليين يوم الجمعة الماضي على الجريمة الكبرى والمجزرة الدموية التي ارتكبها الجيش الاسرائيلي ضد الفلسطينيين في جنين ومدن وقرى الضفة الغربية والتي اعترف الجيش الاسرائيلي بأنه قتل خلالها المئات حمل العشرات منهم في الناقلات الاسرائيلية حتى يدفنوا في مقابر جماعية في محاولة اسرائيلية لطمس معالم الجريمة، ورغم تورط الولايات المتحدة الامريكية بكل اجهزتها فيما يحدث حتى ان افتتاحية مجلة «نيوزويك» الامريكية في الاسبوع الماضي كان عنوانها «وزير الخارجية الامريكي شارون» رغم كل ذلك فقد سطر الشعب الفلسطيني البطل بدماء أبنائه التي سالت على ارض فلسطين ملحمة جديدة، حيث انها ربما تكون المرة الاولى منذ عقود طويلة التي تخرج فيها المظاهرات والمسيرات الاحتجاجية في كامل بقاع الكرة الارضية منددة باسرائيل ومنادية بمنح الشعب الفلسطيني حقوقه وايقاف المجازر التي تقام ضده من قبل العصابة الحاكمة في اسرائيل، وتحريك الشارع العالمي بهذه القوة امر ليس سهلا رغم حملة التضليل والتكتم على المجازر التي يقوم بها الاعلام العالمي الموالي للحركة الصهيونية. حشد الرأي العام العالمي ان هذا التقدير العالمي لصمود الشعب الفلسطيني وبطولته يعتبر مرحلة جديدة من مراحل النضال يجب استثمارها، وعلى صعيد الشارع العربي فقد ساهمت جحافل المؤيدين لشعب فلسطين في شوارع العواصم والمدن والقرى العربية والتي تحدت القنابل المسيلة للدموع والرصاص المغطى بالمطاط والهراوات المكهربة وسالت منها الدماء هي الاخرى وقدمت شهداء وجرحى لان مناصرة الشعب الفلسطيني صارت تهمة وجريمة في بعض الدول العربية. وبقي السؤال المهم هنا الذي يبحث عن اجابة عملية وواقعية.. كيف يمكن استثمار صمود وجهاد وتضحية الشعب الفلسطيني خلال الايام الماضية لتحقيق اكبر قدر من المكاسب التي تضاهي الدماء التي سالت والصمود الذي بقى والتشريد الذي خلق واقعا جديدا على الارض؟ وعلى الصعيد العالمي كيف يمكن استثمار تعاطف الشارع العالمي وبداية رؤية ذلك الشارع لقضية الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة وما يتعرض له من حملات ابادة ومجازر وحشية وتهجير داخلي جديد على يد الاستعمار الاستيطاني الوحيد الباقي في العالم وهو اسرائيل، وأن يتحول ذلك التعاطف الى عمل مؤسسي واع يحشد الرأي العام العالمي ليصبح نصيرا ومؤيدا في بلاده لحقوق الشعب الفلسطيني ونضاله، وربما وأنا اسطر هذا المقال من احدى المدن الاوروبية هناك حشود يشارك فيها برلمانيون وناشطون أوروبيون سوف تنطلق في العديد من المدن والعواصم الأوروبية تهتف لصالح الشعب الفلسطيني وتندد بسياسة اسرائيل القمعية؟ انتفاضة التغيير وعلى الصعيد العربي كيف يمكن تحويل هذه الثورة العاطفية الكبيرة التي شملت كل فئات الشعوب العربية من الخليج الى المحيط بكل فئاته السياسية فوحدت صفوفه لصالح قضية فلسطين، كيف يمكن استثمار هذا ليتحول من فورة عاطفية سرعان ما تنتهي بعد ايام الى مرحلة جديدة ونقلة نوعية في مسيرة العمل العربي، لتشارك الشعوب بعد ذلك في صناعة القرار وتنتزع حقوقها السياسية وتتخلى عن سياسة اللامبالاة والخوف التي تسيطر عليها بدلا من القاء اللوم على الحكام متناسين ان الحكام ليسوا سوى افراز للشعوب واحوالها؟ ان الحكام لن يتغيروا الا اذا تغيرت الشعوب واستيقظت من سباتها اما اذا عادت الى النوم مرة اخرى فسيبقى حال الحكومات والحكام على ما هو عليه وحتى اشعار آخر. لقد اشعل الشعب الفلسطيني فتيل التغيير بدمائه وصموده وعليه ان ينتزع حقوقه ولا يقبل بما كان يفرض عليه من قبل، وعلى الآخرين ان ينتزعوا حقوقهم حتى يبقى للدماء التي سالت وللجراح التي ادميت ثمن، وليكن ما حدث في الشارع العربي انتفاضة للتغيير وبداية للنهوض من تلك الغفوة وهذه الكبوة، حتى تستعيد الامة مجدها ويستعيد الشعب الفلسطيني ارضه وحريته، ولا تكون الدماء التي سالت هباء.. ولكن ليكن لها ثمن يناسب قيمتها لدى من ضحوا بها حتى يجلبوا الحرية والعزة والكرامة للآخرين ومن ثم فإن المسئولية هنا ليست على من ضحى بدمائه، فقد قام هذا بواجبه، ولكنها على من يحمل الراية بعده ومن يجني الثمار. ـ كاتب واعلامي مصري