أخذوه..قيدوا يديه بعد أن جذبوهما بعنف خلف ظهره..شلوا حركته بعد أن وضعوا قيدا مؤلما حول قدميه بحيث لا يستطيع التحرك إلا بمقدار قدم بقدم، تماما مثلما يفعل بأسرى القاعدة وطالبان في معسكر أشعة إكس بجوانتانامو..فعل ذلك عصبة من رجال يرتدون الكوفية الفلسطينية. اقتادوه.. جروه حينا.. ودفعوه حينا آخر ثم ألقوه..طرحوه وتركوه وسط الركام..بين الدمار الهائل ورائحة الجثث التي تكاد تتعفن في مخيم جنين بعد أن عرجوا قليلا على حي الياسمين بمدينة نابلس الباسلة. هذا الذى تمنيت أن يقتادوه هو كولن باول وزير الخارجية الأمريكي. وقد داهمتني الأمنية بعد أن طفحت النفس بالكمد والهم مما تسمعه وتراه وآخر مشاهد المأساة ذلك الغزل الفاضح بين السيد الأمريكي الذي تعلقت به قلوب أهل الوهن والجبن من زعماء المنطقة وكبير القردة والخنازير خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد بالقدس ظهر الجمعة. لم تتجاوز دقائق المؤتمر الصحفي ربع الساعة لكن هذا الوقت القصير شهد تبادلا فجاً لكلمات الغزل المقزز وترددت خلاله كلمة الصداقة بتفعيلاتها المختلفة نحو عشرين مرة. بينما لم يشر المسئول الأمريكي من قريب أو بعيد إلى ما تشهده المدن الفلسطينية الباسلة من مجازر تقشعر لها الأبدان واعتداءات همجية وأعمال بربرية على أيدى أرذل مخلوقات الأرض. لم يتعرض ممثل أكبر دولة مدعية لنصرة الحرية والديمقراطية ولو بكلمة واحدة لأشد هجمة على ابسط الحقوق الانسانية. إشارات جلية لا تبقي أي مجال للشك حول الشراكة الصهيونية اليهودية التى تحكم اسرائيل والصهيونية المسيحية التي تتحكم في كل زمام الأمور بالولايات المتحدة. هذه الشراكة التي تسعى بوضوح ومن دون أية مواربة إلى الإسراع بالقضاء على الجماعات التي صنفها هؤلاء بأنها ارهابية لا لشيء إلا لأنها ترفض تبني الأجندة الأمريكية من ألفها وحتى يائها، وما حزب الله ببعيد عن هذه الحرب. لكن العجب العجاب في هؤلاء الذين يستسيغون سموم العم سام ، بل إن البعض منهم أدمن هذه السموم ولا يكتفي بذلك إذ يصر على الترويج لها والتأكيد على جدوى العلاج بها مع أن كل من استخدمها لم يجن من ورائها سوى تدهور شامل ومن بعده شر موتة. انتظروا مقدم حامل مفاتيح الحل طويلا لكنه حتى عندما جاء بعد طول تأخير لم يقدم أي حل ولن يفعل ذلك أبدا. كيف وهو نفسه جزء من المشكلة. له يد فيها..يد ملوثة بكثير من الدماء.. يد لن تتطهر بكل ما فى العالم من عطور وماء. لقد سارع باول بالذهاب إلى شمال اسرائيل الذي لم يتهدم فيه جدار أو تسيل فيه نقطة دم واحدة لتقديم المساندة إلى «المستضعفين» من أهله. بينما ترك صنفا آخر من البشر يقتلون بالمئات بعد أن حوصروا وجوعوا وحرموا من الماء.. بل ولو كان ممكنا لمنع عنهم الصهاينة الهواء. إن ما حدث في مخيم جنين يجب ألا يمر هكذا مرور الكرام. هي مذبحة تفوق في أبعادها ما حدث في صبرا وشاتيلا وقانا ولا تقل بأي حال من الأحوال عما حدث في سربرينيتسا على أيدي الصرب القتلة. مذبحة يجب تسجيلها مهما حاول الصهاينة اخفاء معالمها. ومهما نقلوا من جثث خارج المخيم الى الجولان أو بالقرب من الحدود الأردنية أو الى أي مكان آخر. يمكن اكتشاف ذلك من خلال صور الاقمار الصناعية. لن تكون المهمة سهلة بالتأكيد في ظل رفض شركات الأقمار الصناعية كشف ما يدور في اسرائيل حتى لا تطالها يد اليهود الطويلة، لكن الجهود المدعومة بالمال يمكن أن تؤتي ثمارها خاصة في روسيا وبعض دول اوروبا الشرقية لقد اثبتت هذه الوسيلة فعاليتها الكبيرة في الكشف عن المذابح التي ارتكبها الصرب ضد مسلمي البوسنة وكوسوفو. وتم التوصل من خلالها الى المقابر الجماعية التي ظن هؤلاء انها ستختفي وتخفي معها معالم الجرائم القذرة التي ارتكبوها. لا تتركوهم يفروا بفعلتهم الشائنة هذه. لا تدعوا أيا منهم يفلت بما فعل الارهابي شارون والقاتل موفاز ومعهما باقي القادة العسكريين. ويجب ألا ننسى بيريز خاصة وان لجنة نوبل للسلام تبحث في تجريده من الجائزة التي حصل عليها، لابد من فتح هذا الملف ومتابعته جيداً. والجهد يجب الا يكون جهد حكومات بل ان الجهد الشعبي العربي سيكون أكثر فعالية، فجماعات المجتمع المدني لها تأثيرها الذي يجب عدم التهوين من شأنه خاصة بين الاوروبيين. المذبحة شنيعة وحجم الخسائر فيها هائل. لذا علينا الا نترك الدماء الطاهرة التي تشرب بها تراب المخيم الباسل تجف دون ان يدفع المجرمون الثمن أضعافاً مضاعفة مهما طال الزمن.. المهم أن يكون ذلك بعيداً عن العم سام وسمومه.