بدأت الجلسة بخمسة تسربوا واحدا تلو الآخر من الندوة التي أخذت تميل الى الرتابة والتكرار، وتحولت الى نوع من الخطب الحماسية بعد ان أفرغ المتحدثون شحنة تفجير الأفكار الأساسية للموضوع الذي كانت تناقشه خلال الساعة الأولى منها، وقالوا جلّ ما عندهم او أهمه حول «مفهوم الحضارة ومفهوم الثقافة: تطابق أم تضمّن؟». شاعرة وفنانة تشكيلية استطاعت ان ترسم بالكلمة لوحات شعرية ضمّنتها دواوين عدة أودعت من خلالها اسمها في عالم الشعر الجميل، وصاغت بريشتها قصائد جميلة رسخت موهبتها في الرسم وقدمتها من خلال معارض عدة، ثم اتجهت مؤخرا لكتابة الرواية وهي على وشك اصدار روايتها الأولى. وكاتب سيناريو بدأ حياته شاعرا ثم اتجه للصحافة الأدبية، ووجد نفسه أخيرا في كتابة السيناريو، فقدم مسلسلات حققت نجاحا باهرا، وعلى الأبواب فيلم سيخرجه واحد من أهم مخرجي السينما السورية والعربية. وصحفي ومحرر ثقافي وشاعر شاب صدر له ديوان شعر بالعامية المصرية. وشاعر أخذته الصحافة الثقافية من عالم الشعر وشغلته عن مواصلة ابداعه فاستسلم لها وإن كان استسلاما مؤقتا لحين انبعاث بركان الشعر الذي لن يلبث ان يعاود قذف حممه، وما أدراك ما حمم بركان الشعر ان هو عاود ثورته. وكاتب يبحث عن موضوع لاستراحته.. وليس أكثر استفزازا للقلم من جلسة كهذه مازالت مفتوحة لأعضاء جدد لن تخرج اهتماماتهم وهمومهم عن تلك الأطر التي تدور في حلقة الأدب والفن والثقافة. بدأت الجلسة ـ على خلاف جلسات أرباب الثقافة ـ ببعض النكات التي ربما كان حضورها ردة فعل طبيعية للندوة الجادة التي تسربوا منها، وربما كان استدعاؤها نوعا من أنواع الاحتجاج على المنحى الذي اتجهت اليه عندما تحولت الى مباراة استعراضية في التعبير عن الايديولوجيات التي ينطلق منها المتحدثون والحضور، وقد كانت لدى الشباب منهم على وجه الخصوص معبرة عن فوران هذه المرحلة السنية وتأثرها بأفكار ومذاهب ركبها قبلهم ساسة ومتطلعون الى كراسي الحكم، واتخذوا منها شعارات لثورات أسسوا عليها دولا لم تستطع ان تصمد أكثر من سبعة عقود فانهارت وعادت شعوبها تبحث لنفسها عن موقع بين الأمم، وعن لقمة عيش تقيم أودها بعد ان أفقرتها تلك الثورات، ونومتها على حلم وردي أفاقت منه لتجد نفسها واقفة في آخر الطابور تستجدي المعونة من الدول والشعوب التي طالما تعاملت معها على أنها عدوة إمبريالية رجعية تسعى لاستعباد الشعوب الأخرى، وخاضت معها حروبا باردة وأخرى ساخنة، فإذا بالمعادلة تنقلب رأسا على عقب، وإذا بالنظرية تنهار وينكشف الستار عن نمر من ورق يزمجر بلا مخالب وأنياب. ومع ذلك فمازال في نفوس بعض الشباب الذين أدلوا بدلوهم في الندوة بقية من أمل، وعلى ألسنتهم مقولة تعبر عن معتقد ـ لا أحد يعلم الى متى سيصمد ـ يرى ان فشل التطبيق لا يعني فشل النظرية! يتوقف مسلسل إلقاء النكات الذي كان بطله صديقنا كاتب السيناريو بحكم التخصص مع وصول مجموعة جديدة من الأصدقاء متنوعي الاهتمامات أيضا، فيهم الشاعر والقاص والمترجم والمذيع واستاذ الجامعة ومن يجمع بين أكثر من موهبة. وبانضمام هذه المجموعة الجديدة أخذ الحديث منحى آخر عندما طرح الشاعر العراقي الشاب وجهة نظر لقيت معارضة لدى أكثر من واحد من «الشلة» التي تجتمع للمرة الأولى وربما تكون الأخيرة حيث لن تتيح لها الظروف ذلك مرة أخرى. يرى صديقنا المتحمس الى درجة الانفعال ـ كطبيعة اخوتنا العراقيين الجميلة التي ألفناها فأحببناها ـ ان اشتغال الشاعر بوظيفة اخرى خيانة للشعر وازدواجية يجب ألا يقع فيها لأنه لا يمكن لشاعر ان يعرّف نفسه او يعرفه الناس بصفة أخرى غير الشعر. يختلف معه في وجهة النظر هذه أولا شاعر سوري من الحاضرين درس المسرح أساسا ويعمل مخرجا تلفزيونيا. ويقول مستشهدا على رأيه انه قد صدر له حتى الآن ديوانان وهو يمارس عمله في التلفزيون دون ان يخلّ ذلك بمكانته او صفته كشاعر، ويندفع اكثر في الدفاع عن وجهة نظره هذه قائلا انه مستعد للتخلي عن عمله في التلفزيون عندما تقيم الأمة وزنا للشعراء، وتفسح للشعر مكانا معترفة بقدرته على التأثير والتغيير، وتضمن للشاعر كسب لقمة عيشه دون تقديم تنازلات. تنضم الشاعرة الرسامة التي تطرق باب الرواية الى المخرج التلفزيوني في معارضته للفكرة التي طرحها زميلنا الشاعر العراقي، وتدلل على وجهة نظرها هذه بحالتها حيث تمارس أكثر من ابداع الى جانب اضطلاعها بوظائف إدارية لم يكن لها يوما تأثير على أشكال الانتاج التي يتوزع جهدها بينها. تبدأ الشلة التي وصل عددها إلى أكثر من عشرة أشخاص بالانقسام إلى مجموعات صغيرة ثلاث، تختار كل مجموعة منها لنفسها موضوعا للنقاش، ويبدل البعض أماكنهم تبعا للموضوع الذي يستقطب اهتمامه. هكذا يمضي الوقت والجميع في انسجام لم يفسده اختلاف وجهات النظر ذاك. كان صوت فيروز يشيع الدفء في القاعة ـ رغم برودة الجو في الخارج ـ وهي تشدو: (كل الذين أحبهم نهبوا رقادي واستراحوا) عندما أرسلت البصر عبر الزجاج المحيط بالمكان ليلتقي بأضواء جبل قاسيون القريب تلوح على مرمى حجر منا.. ومن خلال هذه الكوكبة من الشعراء والأدباء والفنانين الشباب لاح لي ضوء الفجر المرتقب لصحوة طال مخاضها وآن لها أن تنهي عملية ولادتها المتعسرة. فهل استطاع مهرجان «المدى» الثقافي في مدينة الياسمين دمشق على مدى أيامه العشرة أن يفتح أبواب الأمل التي نسج عليها العنكبوت خيوطه وبنى بيوته وأوشك أن يحكم إغلاقها اليأس؟ ذلك هو الانطباع الأكثر ايجابية الذي خرجنا به ضمن مجموعة من الانطباعات الأخرى لا تقل عنه أهمية. فشكرا لأيام «المدى» التي أحيت الأمل في النفوس، وشكرا لصاحب الفكرة الصديق فخري كريم وأعوانه الذين أعادوا لنا الثقة وأثبتوا أن هناك أفرادا يحملون من الهم الثقافي ما ناءت بحمله مؤسسات حكومية ذات ميزانيات ضخمة وامكانات هائلة، لكنها مسخرة لأمور أخرى(؟) شكرا لهم لانهم جعلونا نتمنى أن نرى وطننا العربي مقهى ثقافيا كبيرا على شاكلة هذا التجمع الفكري الثقافي الذي أتاح لنا الاجتماع على طاولة صغيرة ضمت تلك الكوكبة في سهرة دمشقية رائعة ستظل محفورة في الذاكرة مطبوعة في الوجدان، نعود إليها كلما توالت الاحباطات وتجددت الأحزان.