أعرف انه ربما كان من السابق لاوانه الحديث عن هذا الموضوع الآن، لكن ثمة مفارقة عجيبة تحصل في هذه اللحظة التاريخية من عمر الثورة الفلسطينية ، رأيت من اللازم علي ان اسجلها لعل في تدوينها والاشارة اليها ما يفيد في استثمارها قبل ان يشرع العدو نفسه في استغلالها بعد الانتهاء من عمليته العسكرية الواسعة التي بدأها يوم 28/3/2002م. ففي الوقت الذي ينهمك فيه جنود الغزو البربري الصهيوني في تدمير ما تبقى من معالم مخيم جنين الباسل ويطبق على البلدة القديمة في نابلس البطلة في ظل حصار اعلامي محكم لمنع تسرب انباء جرائم حربه الوحشية أملا منه في اظهار الفلسطيني ـ المقاوم مهزوما مستسلما منقادا الى طاولة المفاوضات مسلما بشروط الهزيمة فإن هذا العدو نفسه يبقى عاجزا حائرا مرتبكا فيما ينبغي عليه ان يفعله مع القيادة الفلسطينية المحتجزة في مساحة صغيرة لا تزيد على غرفتين صغيرتين تفتقر فيه الى ابسط وسائل العيش والبقاء البسيط ناهيك عن مقاومة الاحتلال المدجج بكل اسلحة الدمار الشامل والدعم اللامحدود والانحياز الاعمى لقوى الجبروت والطغيان الدولي! ليس صحيحا أن القيادة الاسرائيلية الفاشية الحاكمة حاليا في تل ابيب بقيادة السفاح شارون لاتريد قتل السيد ياسر عرفات وتهديم الغرفتين اللتين يسكنهما مع رفاقه في رام الله المحاصرة حتى تتخلص من أي التزام بأي حل سياسي مع الفلسطينيين ايا كان شكله. انها كانت تتمنى ذلك طوال ساعات الاجتياح ولاتزال تحلم بانجازه لو توفرت لها اللحظة التاريخية المناسبة. كما انه ليس صحيحا ايضا القول بأن من حمى ويحمي ياسر عرفات من الموت والاغتيال على يد جنود الغزو المتمرسين على باب مقره المتواضع هي الوساطات والتدخلات الاقليمية والدولية التي تراهن ولا تزال تراهن على صوت الفلسطيني المعتدل والبراجماتي العارف بلغة المجتمع الدولي المعاصرة! الاصرار على البقاء نعم قد يكون في الامر شيء من هذا بسيط، لكن الاهم والذي لعب ولايزال يلعب حتى اللحظة الدور الاساسي في استمرار هذه المفارقة في رأيي هما امران. اولا: الصمود الاسطوري للمناضلين والمجاهدين الفلسطينيين ومعهم اهلهم وذووهم في المخيمات الوطن ومخيمات الشتات في وجه الآلة العسكرية الاسرائيلية البربرية والهمجية والتحمل اللامحدود لمعاناة العيش في المخيم املا في استعادة حلم الوطن وتحقيق الذات الفلسطينية المستباحة منذ مايقارب القرن من الزمان. وحدهم طلائع الغزو الاول الفلسطيني من عتاة الصهاينة يعرفون مايعني هذا الاصرار على البقاء وتحدي كل اشكال المعاناة واهوال التغريب والتشريد. من هنا فان هؤلاء القتلة وسراق الوطن من عيون اطفال فلسطين هم الاكثر معرفة بما يعنيه ان يقتل هذا الحلم في عقل الفلسطيني وقلبه، ولذلك تراهم يراهنون على دور الزمن الذي قد يخلق لهم فرصة تبلور مواطنين من الدرجة الثانية مستسلمين يفاوضونهم على بيع الوطن مقابل المواطنة. لأنهم وحدهم من سائر شعوب العالم وأممه من غير الشعب الفلسطيني الأقدر على فهم قيام كيان فلسطيني حر مستقل. لأنهم يعرفون بالضبط ان تقوم دولة فلسطين ولو على شبر واحد من الأرض التاريخية يعني بداية النهاية لدولة اسرائيل المصطنعة والملفقة والمركبة على معايير الخدعة والتضليل التاريخي والديني. ثانيا: الوحدة الوطنية على المستويات الشعبية ـ الأهلية والسياسية والعسكرية، باعتبار الوحدة هذه هي المدماك الذي يخرج كوادر النضال والجهاد ويغربل السليم من السقيم في العمل السياسي، وتبنى عليه عمارة الوطن الحلم، وهو الصخرة الصلبة كذلك التي تصطدم بها كل مشاريع الفرقة والفتنة وتشتت اتجاه البوصلات. إن الصهاينة الأوائل يعرفون أكثر من غيرهم ما معنى التمكن من خلق بدائل للوحدة الوطنية الفلسطينية، وكيف ان الوحدة الوطنية الفلسطينية كانت ولاتزال هي العقبة الكأداء أمام قيام أي مشروع بديل للوطن الحلم، حتى وهم يحتلون كامل الوطن الفلسطيني، أو يقهرون شعبه في معارك التهجير والتدمير والتقسيم ونشره في الشتات! بهذين العاملين يحيا عرفات كما يحيا غيره من رموز الثورة أو القيادة الفلسطينية. لولا اسطورة مخيم جنين والصمود المعجزة الذي أبداه المجاهدون من كل القوى الفلسطينية بوجه الغزاة في نابلس وبيت لحم ورام الله وطولكرم وقلقيلية والخليل وفوق كل أرض فلسطينية، وبعد معجزة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي تستخدمها قوى المقاومة والانتفاضة الشعبية الباسلة، لكان كثير من القيادات الفلسطينية الآن في وضع أكثر صعوبة وخطورة. فشل سيناريو القيادة البديلة ثمة من يحذر الآن وفي هذه اللحظة الصعبة والحساسة من عمر الانتفاضة والثورة الفلسطينية من امكانية لجوء العدو الى سياسة جديدة في التعامل مع الانتفاضة بعد ان فشل في كسر ارادة الصمود والمواجهة، كما فشل في شق الوحدة الوطنية وعجز عن تشكيل قيادة عميلة تابعة تعمل لدى القيادة النازية الجديدة. ليس ضرورياً ان يحصل اجماع في الرأي حول كل ما تفكر به القيادة، وليس ضروريا ان تكون القيادة معصومة من الخطأ السياسي، فالمهم ان تبقى الوحدة الفلسطينية عصية على الاحتلال وعصية على التفريط بحلم الوطن. وهذا ما سيجبر عليه أي فلسطيني حتى لو جاء بمحض الصدفة الى سدة القيادة فيما لو أدارت القوى الوطنية السياسية معركة المواجهة والصمود والوحدة الوطنية خير ادارة وبأحسن أداء. فما بالك بقائد وطني معمدة حياته بالدم والفداء مثل أبوعمار. وقد حصل هذا في كامب ديفيد الثانية، كما حصل في الاسبوعين الأخيرين، وقد شهد العالم كله ذلك، ورأوا كما سمعوا بالصوت والصورة كيف ان أبا عمار ـ شريك رابين في سلام الشجعان! ـ صار يتحدث بلغة ابن مخيم جنين وبلاطة، لغة الاستشهاد والفداء. إن صمود مخيم جنين الاسطورة من جهة، ومعجزة الانتفاضة ـ الوحدة الوطنية ـ من جهة ثانية، ربما كانا الدرسين اللذين ينبغي علينا ان نتعلم منهما كيف نواجه تحديات المرحلة الجديدة. ولا نقع في فتنة قميص عثمان، بعد ان أهدانا شعبنا الفلسطيني البطل شعب الجبارين هدية الانتفاضة العربية الشاملة، انتفاضة الوعي بالواجب تجاه قضيتنا المركزية والمحورية، فلسطين. ـ كاتب ومحلل سياسي ايراني