أمام مبنى الجامعة العربية في قلب القاهرة احتشد المتظاهرون يحاولون أن ينقلوا شيئا من غضبة الشارع العربي إلى أسماع وزراء الخارجية العرب الذين استطاعوا - بعد جهود خارقة -! أن يعقدوا اجتماعهم الموعود بعد أكثر من اسبوع من بدء المذبحة الإسرائيلية، الأخيرة للشعب الفلسطيني.تصاعدت الهتافات التي تندد بالعدوان الهمجي الإسرائيلي والتواطؤ الأمريكي والتي تطالب بطرد السفير الإسرائيلي وإغلاق لسفارة العدو في القاهرة.. وفجأة خرج هتاف جديد جسد خيبة أمل الجماهير في النظام العربي وعبر عن عمق الهوة التي تفصل بين الشارع والحكومات. التقط الشارع المفارقة الصارخة بين مظاهرات تجوب عواصم العالم تندد بالعدوان، وقوات الشرطة في مواجهة الجماهير في كثير من العواصم العربية! بين العجز الرسمي العربي عن ردع العدوان وبين تضامن يتصاعد يوما بعد يوم في أوروبا وآسيا وأمريكا الجنوبية! وكانت الأنباء قد نقلت قرار بعض البرلمانات المحلية في بلجيكا بقطع العلاقات مع إسرائيل ومطالبتها الحكومة والبرلمان الموحد باتخاذ نفس القرار. والتقط الشارع المفارقة بين الموقف البلجيكي وكثير من المواقف الرسمية العربية، وانطلق هتاف عفوي يقول: يا وزراء البوليتيكا شوفوا عملت إيه بلجيكا عاشت بلجيكا حرة أبيه وأنتم خيبتكم خيبة قويه! ولعل الوزراء سمعوا وحزنوا على حالهم وحال الأمة. ولعلهم لم يسمعوا لأنهم محصنون ضد ما يأتي من الشارع لكن المؤكد أنهم جاؤوا إلى الجامعة وهم يدركون أنهم لن يفعلوا شيئا، والمؤكد أنهم خرجوا وقد أنجزوا (المهمة) بنجاح كبير.. أي بتجسيد كامل لحالة العجز الرسمي العربي وترديد لكلام لم يعد له معنى عن: خيار العرب الاستراتيجي، وعدوان إسرائيل الغاشم ومناشدة أمريكا أن تفعل شيئا لإنقاذ الموقف.. مع أن المطلوب هو ألا تفعل شيئا لأن كل ما فعلته وتفعله ليس إلا دعما كاملا للعدوان النازي الذي ترتكبه إسرائيل بأسلحة أمريكا وطائراتها ودعمها السياسي وانحيازها الدائم ضد العرب والمسلمين! قد تخطئ واشنطن في حساباتها لحركة الجماهير، ولكنها لا تخطئ أبدا في حساباتها مع الأنظمة، ولأنها تعرف الحقيقة جيدا فهي تعرف أكثر منا حالة العجز التي يعيشها (أو يموتها) النظام العربي، وتتعامل مع الواقع الذي فرضته على المنطقة بتصميم على أن تصل الأمور لنهايتها وهي متأكدة من أن حالة الضعف العربي قد أصابت النظام العربي بالشلل والعجز عن مواجهة ما يحدث والخوف من أن الآتي سيكون أسوأ. مع نهاية قمة بيروت وبداية الاجتياح الإسرائيلي الشامل لأراضي السلطة الفلسطينية ظل بعض القادة العرب يحاولون عبثا الإتصال بالرئيس الأمريكي، ولمدة يومين كاملين رفض بوش استقبال مكالماتهم! وبينما كانت القوات الإسرائيلية تدهم مقر عرفات والاستغاثات العربية تتوالى على واشنطن خوفا على حياة الزعيم الفلسطيني.. كان الرئيس الأمريكي (يدير) المعركة بهدوء ويتلاعب بالعواصم العربية كما يشاء. كان بوش يعرف الحقيقة لأن ما يجرى هو في الأساس ما خططت له الإدارة الأمريكية وتركت تنفيذه للسفاح شارون.. والخطة لا تتضمن قتل عرفات بل وضعه في بؤرة الأضواء أسيرا مهانا، بينما الدبابات والجرافات والطائرات الإسرائيلية تقوم بدورها في (تنظيف)! الأراضي الفلسطينية من المقاومة.. بقتل الرجال وهدم المنازل وجمع السلاح وتركيع الشعب الفلسطيني حتى يقبل الاستسلام لشروط أمريكا وإسرائيل دون قيد أو شرط. وبعدها سمع القادة العرب الرئيس الأمريكي وهو يعطي شارون علنا موافقته ودعمه للقيام بالمذبحة، ويحمل عرفات والفلسطينيين المسئولية، وفهم قادتنا أن ما يحدث هو قرار أمريكي، وأن عليهم أن يكتفوا بالصمت أو ببيانات إنشائية تعود الجميع عليها. كان القرار هو تحويل فلسطين إلى أفغانستان أخرى.. يمارس فيها الجيش الإسرائيلي ما فعلته أمريكا في أفغانستان، وتصبح فيه السلطة الفلسطينية هي طالبان، ومنظمات المقاومة هي (القاعدة).. ويكون القضاء عليها هو المقدمة لفرض أوضاع جديدة تتم فيها تصفية القضية الفلسطينية ووضع المنطقة تحت الهيمنة الكاملة لمحور (الخير والرفاهية) بين واشنطن وتل أبيب. ولم تكن هذه المذبحة، وفقا للرؤية الأمريكية إلا بداية التحرك الجديد في المنطقة لتصفية كل ميراث الماضي وخلق للشرق الأوسط الجديد الذي لابد أن يمر قطاره على كل مقاومة عربية مازالت حية.. وهكذا بعد فلسطين، يأتي دور لبنان وسوريا والعراق الذي لم يعد العدوان عليه إلا مسألة توقيت! ومع انفجار بركان الغضب في الشارع العربي ثم في كل العالم على المذبحة الأمريكية - الإسرائيلية للشعب الفلسطيني، مع ازدياد مخاوف واشنطن على الأنظمة العربية (الصديقة) التي أصبحت في وضع لا تحسد عليه بين غضب الشارع، وسفالة العدوان، وقهر العجز والضغط الأمريكي.. كان لابد أن تتحرك واشنطن، لكن التحرك لم يكن إلا فصلا جديدا في المؤامرة الأمريكية. فالرئيس الأمريكي الذي أعلن في بداية العمليات أن عرفات خان آمال شعبه ورعى الإرهاب واستحق المصير الذي آل إليه، أعلن بعد أسبوع من المذابح الإسرائيلية أن عرفات لن تتم تصفيته لأنه مازال له دور يؤديه! كما أعلن عن إرسال وزير خارجيته باول إلى المنطقة، وطالب شارون بإنهاء العمليات في أسرع وقت! أما الدور الذي بقى لعرفات، وفقا للمنطق الأمريكي - فهو أن يوقف العمليات (الاستشهادية) التي أصبحت تؤرق واشنطون خوفا من انتقالها إلى عقر دارها! ثم تأمين الانتقال إلى (خلافة) ترضى عنها واشنطن وتلبي مطالب شارون كاملة! وأما الحديث عن إنهاء العمليات الإسرائيلية في أسرع وقت، فلم يكن إلا تضليلا وتلاعبا بالألفاظ، وحتى عندما تحدث بوش بعد ذلك عن ضرورة الانسحاب الإسرائيلي (دون تأخير) فإن الأمر لم يتغير، والمذابح لم تتوقف، والانسحاب أصبح مجرد خداع رخيص للتغطية على المجازر التي تتم بعلم واشنطن وأسلحتها وتغطيتها الكاملة! أما إيفاد باول إلى المنطقة فهو (مسخرة) سياسية في حد ذاتها فبدلا من أن يذهب وزير الخارجية الأمريكي إلى إسرائيل لإعطاء الأوامر إلى شارون بإيقاف المذبحة، وهو أمر لو صدر لما استطاع شارون أو غيره أن يخالفه.. بدلا من ذلك ذهب الرجل في رحلة (سياحية) على العواصم العربية والأوروبية لمدة أسبوع يمارس فيه شارون مذابحه ويعلن أنه يرفض أي ضغوط أمريكية لايقاف العدوان الوحشى على الشعب الفلسطيني، بينما وزير الخارجية يذهب من المغرب إلى القاهرة إلى أوروبا وهو يحمل رسالة واضحة: لا تراجع عن محاربة (الإرهاب) الذي يمارسه العرب بمقاومة الاحتلال في فلسطين أو لبنان، أو بدعم هذه المقاومة في دول عربية وإسلامية أخرى مثل سوريا ولبنان.. ولا تراجع عن ضرب العراق بعد ذلك. وعلى العرب جميعا أن يفهموا ذلك وأن يقدموا كل المساعدة المطلوبة في هذه المهمات وإلا اصبحوا جميعا أعداء لأمريكا وأعضاء في محور الشر الذي يبدو أنه سيتسع لأعضاء جدد وفقا لما تراه واشنطن وتمليه مصالحها. قضيتنا ليست أن يجيء باول أو لا يجيء، فمجيئة مثل عدمه، ولو أرادت واشنطن إيقاف العدوان لتم ذلك بمكالمة تليفونية من موظف صغير بالبيت الأبيض لا من الرئيس الأمريكي، ولكن كيف يحدث ذلك وما يجري في فلسطين هو جزء من المخطط الأمريكي للمنطقة، وليس شارون إلا المنفذ لهذا الجزء من المخطط وكيف يتوقف العدوان وهو يتمتع بالمباركة الكاملة من الرئيس الأمريكي والإدارة الأمريكية ؟ وكيف يتوقف العدوان وكل إمكانيات واشنطن السياسية والعسكرية والاقتصادية تدعمه ؟ ثم.. كيف يتوقف العدوان، بل كيف لا نتوقع الأسوأ بعد ذلك، في ظل نظام عربي رسمي انفصل عن نبض الشارع وأصبح أسير عجزه وشيخوخته ؟ إنها الطبعة الجديدة من نكبة 48، وكما حدث في المرة الأولى فإن الشعوب ستحاسب والتاريخ لا يرحم، والمأساة لابد أن تقهر حالة العجز الرسمي التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه. إن الشعوب تعرف أنها تملك من الإمكانيات البشرية والمالية والاقتصادية الكثير الذي جرى تبديده، وتملك من الإرادة ما جسده صمود شعبنا الفلسطيني البطل في نابلس وجنين وغيرها، وتملك من الرؤية ما جسدته الجماهير الغاضبة في كل أرجاء الوطن العربي وهي تطالب الأنظمة بأن تخرج من حالة العجز، وأن تلتقي مع إرادة الحياة التي تفجرت في الشارع العربي تطالب بالصمود واستخدام الإمكانيات العربية لمواجهة العدوان الإسرائيلي الهمجي والإنحياز الأمريكي الصارخ. ان إسرائيل لن تتوقف إلا إذا وجدت أمامها قوة عربية قادرة على ردعها، وإرادة عربية مصممة على الوقوف أمام نازيتها، ونظام عربي قادر على توظيف الإمكانيات العربية لتحقيق الأمن العربي وحماية الاستقرار وبناء النهضة الحقيقية. وأمريكا لن تتوقف عن انحيازها ضد العرب إلا إذا أدركت أن مصالحها في المنطقة تتأثر، وأن دعمها لإسرائيل سيكون ثمنه غاليا. والنظام العربي العاجز لن يحتفظ بأي شرعية وهو غير قادر على رد العدوان ولا تحقيق الأمن القومي وخائف حتى من أن يقول - مجرد أن يقول - لا.. في وجه هذه الهجمة الصهيونية الأمريكية. إن أي حديث عن علاقات دبلوماسية أو غير دبلوماسية بين العرب والعدو الصهيوني لم يعد له مكان.. إن أي تأخير في إعادة المقاطعة الشاملة لإسرائيل ولكل الشركات الأجنبية التي تتعامل معها هو جريمة. إن أي تقاعس في دعم المقاومة المسلحة للاحتلال الإسرائيلي غير مقبولة. إن أي انتظار لسلام عادل يأتي في ظل حالة العجز العربي الحالي هو انتظار عقيم. إن كل الإمكانيات العربية يجب أن تستخدم في المعركة الحاسمة.. المال العربي الذي يدعم الخزانة الأمريكية ويبخل على المقاتلين المجاهدين في فلسطين لابد أن يغير مواقعه، والمقاطعة الشعبية والرسمية للبضائع الأمريكية يجب أن تبدأ، والصفقات الكبيرة في السلاح وغير السلاح مع المصانع الأمريكية ينبغي أن تذهب إلى دول أخرى والخلافات العربية ينبغي أن تتم تصفيتها لا أن تزيد وطأتها كما يحدث اليوم حيث يتفجر خلاف خطير لابد من تطويقه بكل السبل بين دمشق والقاهرة. إن الأسوأ قادم إذا استمر هذا العجز العربي الفاضح، وإذا لم تلتئم الصفوف لمواجهة المخطط الأمريكي والهمجية الإسرائيلية، وإذا استمر هذا الصمت الرسمي بينما الشارع يغلي والمجزرة الإسرائيلية مستمرة والتواطؤ الأمريكي يتزايد، والرجال في نابلس وجنين ينالون الشهادة أو يقعون في ذل الأسر بعد أن تنفد رصاصاتهم القليلة دون أن يقول لهم أحد: أين هي الأسلحة التي دفع العرب ثمنا لها ستمائة مليار دولار في عشر سنوات؟! ـ نائب رئيس تحرير « الاخبار» المصرية