كان متوقعاً أن يخضع عرفات لاملاءات وزير الخارجية الأمريكي (كولن باول) بشأن اصدار بيان تنديد بالعمليات الاستشهادية وخاصة عملية القدس الاخيرة، وكان طبيعياً ان يطلب باول وبشدة اصدار هذا البيان مساوماً به عرفات بشأن الالتقاء به، كان طبيعياً ان يفعل (باول) ذلك نزولاً عند رغبة (ارييل شارون) طالما ان السياسة الامريكية متفقة مع شارون في كل ما يفعله وينفذه على أرض الواقع الفلسطيني، وطالما ان جزءاً من مهمة (باول) في المنطقة ان يلعب دور المنسق العام للسياسة الصهيونية الداخلية والخارجية والعامة! لكننا مع اضطرارنا للأخذ بمنطق التفكير السياسي البراجماتي (النفعي) القائم على وزن الامور وفق معطياتها الواقعية، ووفق موازين القوة والعلاقات والمصالح وحجم الضغوطات على عرفات، مع ذلك كنا نتمنى الا يخضع عرفات ولو لمرة واحدة للاملاءات الأمريكية والضغوطات العربية المعروفة! كنا نتمنى ألا نسمع منه بيان (التنديد وبشدة والادانة وبقوة) بالعمليات الاستشهادية البطولية التي ذكر بيان عرفات انها تستهدف المدنيين الابرياء من بني صهيون، كنا نتمنى على عرفات وبعض من لعبوا دور الضاغط الأكبر عليه اقراراً بالسياسة الأمريكية في المنطقة ومساندة لها، ألا يخذلوا المجاهدين بكل هذه الوقاحة والا يخذلوا جماهير الأمة العربية والاسلامية بكل هذه البساطة. ان اجيالاً تلو أجيال لم تنس مقولة السلطان عبدالحميد الذي رفض طلب (هرتزل) بشأن السماح لليهود بالهجرة الى فلسطين، طالبا منه ان ينسى امنياته فيها وان يأخذ ملايينه وملايين اليهود ويعود من حيث اتى، ففلسطين ليست ملكاً للسلطان ولا لأي سلطة، انها ملك الأمة وملك المسلمين، وعليه فإن اليهود لم يحصلوا على شيء من فلسطين الا عندما أعملوا فسادهم ومؤامراتهم واسقطوا السلطان العثماني والامبراطورية العثمانية بأكملها ليتسنى لهم تنفيذ مخططهم! وعليه فإن الأجيال تلو الاجيال لن تنسى مسيرات السلام وهذا البيع والشراء العلني لقضية فلسطين، لن تنسى معاهدات التطبيع ولا مبادرات السلام ولا مفاوضات الوضع النهائي، ولا الصيغ الفاشلة لما سموه بالأرض مقابل الامن والارض مقابل السلام، لن تنسى القبلات التي طبعت على وجوه كبار الصهاينة، ولا المصافحات ولا قبلة اليد البائسة التي طبعت ذات يوم على يد (أرملة الهالك رابين) في يوم جنازته، لن تنسى كل هذه الصفحات السوداء، فما هكذا تسترجع فلسطين ابداً، وجماهير الشارع التي يسمونها بالعاطفية و(الغوغائية) هي التي تعرف الطريق الحقيقي لاسترجاع فلسطين فليتفضل اي مسئول عربي ويجري استفتاء على الهواء ليعرف الحقيقة الغائبة عنه. كان بودنا حين طلب باول من عرفات ان يصدر بيان تنديد بالعمليات الاستشهادية باعتبارها تشكل اعتداء على الآمنين المدنيين من (الاسرائيليين) ان يرد عليه عرفات أو أي حاكم عربي او حتى جامعة الدول العربية بطلب مماثل فيطلب منه بيان تنديد بالاجتياح الاسرائيلي لأراضي الضفة، وبيان ادانة بجرائم شارون ضد الشعب الفلسطيني، لكن وبما ان الأنظمة العربية الرسمية قد اسقطت خيارات المواجهة تماماً، ونزعت حتى ورقة التوت الاخيرة فصارت عارية أمام أمريكا و(اسرائيل)، فإن طلباً من هذا القبيل لن يسمعه الشارع العربي ابداً، ما يجعلنا نسترجع قول الشاعر: من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام