أن نرش السياسة بذرات من العاطفة الجياشة، يسيء الى الطبخة السياسية، فتضيع الطاسة، ومن ثم تقع الفأس على رأس لم يتهيأ ويستعد لتلقي ضربات العاطفة لغير صالح السياسة. أين موقع هذا مما يحدث هذه الأيام العصيبة والصعبة في الأرض المقدسة وفي فلسطين الكل؟ هناك مطالب جماهيرية بمقاطعة اسرائيل التي تمارس القتل مثلما تمارس سلوك الأكل عند الجوع، ولهذا الأمر ضغط ملحوظ على الواقع المؤسف، ومع ذلك، الحل يكمن في سياسة رشيدة تعيد الحقوق إلى سياقها وهي لا علاقة لها بالعاطفة المجردة عن اتخاذ الادوات المعاصرة لحل مشاكل الدول، لان هذا هو الأسلم للمستقبل. تداخل خطوط العواطف بالسياسة الحكيمة يعني التنازل عن كثير من المكتسبات العالمية لصالح الفوران الآني للقضايا المشتعلة في الشرق الأوسط. وليس أدل على ذلك من الحملة التي شنها العالم جميعا على الارهاب في افغانستان، فالانشغال بذاك لا يعني العمى عن المشاكل الاخرى التي ما ان خفت حدتها هناك، حتى قامت أخرى مقامها، فلو وضعنا كل امكانياتنا السياسية والاقتصادية لصالح الافغان، لما كان لدينا شيء نفعله لاخواننا المنكوبين بالاسرائيليين في فلسطين. فمن كثرة ما يعاني العالم العربي والاسلامي من مشكلات داخلية وخارجية وبينية، فإن خطوط السياسة الواضحة فيها ضائعة ولا نملك أن نمسك بطرف منها يخرجنا من مآسينا المتوالية، فما ان نتحرك مع واحدة، حتى نسمع دوي انفجار الأخرى، فهكذا نمر في حلقات مفرغة تأخذ منا الكثير من رصيد العاطفة دون أن نصل الى منطقة وسطى تقي انفسنا من غدر الزمان. الفارق الوحيد بيننا وبين الغرب في هذا المجال هو ان القوم هناك يقدمون العقل على حماس العاطفة غير المتزنة، فالسياسة عندهم حاكمة وليس محكومة بالعاطفة، فالدموع المنهمرة، كالشلالات لا تحرك سدنة السياسة عندهم وإلا تراجعوا عن ادارة دفة العالم لقرون غير معدودة. وهذا الفرق يصعب تقليص درجاته في العالم العربي والاسلامي لان الفراغ الموجود بين الانظمة الحاكمة وبين الشعوب والجماهير كبير جدا وذلك لعدم تفعيل السياسة عبر القنوات الشرعية والبرلمانية وغيرها من وسائل الحكم المتاحة عمليا في الغرب والمتجاهلة ان وجدت في جزء من الشرق في صورة أقرب الى ديكورات المنازل مقارنة بقواعدها الصلبة. ومع كل هذه الحيثيات فان دفة الامور في الشرق المشتعل يجب ان تكون للسياسة التي تراعي حرارة العاطفة المطلوبة في الظرف الآني وعدم التراجع عن مكتسبات ترى بعض الدول العربية انها تحققت من جراء اتفاقات السلام المبرمة مع اسرائيل التي تنتظر ساعة الخلف العربي على أحر من الجمر لتطلق يدها العابثة في فلسطين إلى كل العرب.