كأني لم أكن يوماً مقيماً في الجنوب، أخذت بهذا حين رأيتني مشدودا نحوه مثل سائح لا يعرف من ربوعه سوى أسمائها. عبرت وكان القلب يفيض إليه. التلال والمنحدرات التي تنتشر عليها مدن وقرى ومزارع، لا تزال تحرص على ما تبقّى من طفولتها البدائية رغم الحداثة الزاحفة المزروعة في الأرض كأحجار صماء. ولأنني ولدت في هذه الأرض.. أرض لبنان، أرنو إليها، للأمومة التي تربطني بها. الآن أتفقّد مقلبها الآخر لأول مرة بعد عامين على فرار المحتل، فقد كنت في غربتي يوم نال حريته إثر عقدين ونيف من الأسر. كأنّما اكتشفت للتوّ بلادي، أيقظتني لحظة شوق لخوض مغامرة البحث عمّا ظلّ غامضا من تفاصيلها. الجوّ صحوٌ إلاّ من بضع غيوم تقلّبها الريح، والأرض البكر يفترّ ثغرها عن ابتسامة ناصعة وهي تحيا مهرجان الطبيعة. الخضرة على اتساع العين وأمداء النظر، وثورة الألوان تفتح شغاف القلب وبوابة الروح.. «بخور مريم» ببياضه وليْلكه يسكن شقوق الصخور وأفياءها، و«الدحنون» يوسّع نفوذ امبراطوريته لينشئ عُرى وثيقة مع «شقائق النعمان»، أما «القندول» فيختال بزهوره الصفراء وهي تجاور أشواكه بألفة نادرة، فيما راحت حقول القمح تتمايل بسنابلها الغضّة كبحيرات تهادت أمواجها. كنت على شغف أن تأخذني القرى في حالة المطر، فأنا كائن شتائيّ بالفطرة، وأجمل لحظاتي تلك التي قضيتها لحظة الهطول، أو حين يبلّلني النازل العذب بمائه الحميم. تحقّق لي ما كنت أمنّي النفس به، وأنا عائد من غياب طويل. ظلّت السماء تمطر لعشرة أيام بلياليها، فغسلت البيوت والشوارع، وأزالت الغبار عن الشجر والحجر، ليصبح مشهد الطبيعة لامعا ومضيئا وفي طزاجته الأولى، كما لو انه انبعث من عين اللحظة. تنطلق السيارة صعودا ثم هبوطا، والخارطة تفصح عن مكنوناتها البديعة، ومثلما أطلق أبناء الأرض ثورتهم لطرد سجانيها، أضاء الربيع السهول والجبال والأودية بخضرته وألوانه. وعلى الطرقات لا تبدو الأمور متبدّلة كثيرا ... فقط، بعض الشوارع صارت أكثر اتساعا، ولافتات تدلّك إلى الأمكنة التي تسلكها، فيما لوحات رفعت للذكرى سجّل عليها عشاق الحرية تاريخ مواجهاتهم مع المحتلين. آثار وعلامات تملأ الأمكنة وهي تشير الى حقبة الاحتلال التي لم يتبقّ منها غير شواهد هزيمته. كانت لي والذين معي، من الأصدقاء المستعادين بعد فرقة، محطة في معتقل «الخيام»، الرمز الذي يختصر حكاية المقاومة. ثم إلى مطارح أخرى شكلت عناوين للقتل والتدمير والاختطاف وصارت اليوم كعصفٍ مأكول. هنا موقع أزالته نيران المقاومين، وتلك هياكل لآليات عسكرية مدمّرة، وضعت في ساحات القرى وعلى المنعطفات وفوق القمم. كأن المشهد ضروريّ لكي يستذكر أهل الأرض أن ما صنعوه، لو يعلم الملأ، عظيم. من ساحل البحر عند «الناقورة» صعودا في الطريق المحاذي للحدود مع فلسطين، كانت القرى تطلّ ببهائها، قرية.. قرية مزهوّة بحريتها، فيما العيون شاخصة في تضاريس الجغرافيا. الهضاب تتشابه كأنها بعض من بعض، وكذلك الصخور والأشجار، والبشر أيضا عائلة واحدة يتوزّع أفرادها على تلك المساحات المتآلفة. عند الشريط الشائك، وجدت فلسطين مرة ثانية. في الأولى كنت أسيرا، لكنني الآن حرّ. مستعمرات أقامها غرباء قادمون من أصقاع لا عهد لهم بها من قبل، ولا محل لهم فيها حتى في الذاكرة. مستوطنات زرعت زرعا في المكان الخطأ عكّرت صفاء الأخضر، لكن زيتون الجليل ظلّ على حزنه، فالذين استنبتوه بندى الأعين غابوا بعيدا في المنافي. الجند قابعون في أوكارهم، وعلى وجوههم توتّر يكتنفه ألف سؤال. وكلما اقتربنا أكثر، وقصدنا القرى المتكئة على المرتفعات، ظهرت فلسطين على مرمى حجر منّا، انقشعت الرؤية، فصار كل شيء في الأرض الطيبة على قاب قوسين أو أدنى من القلب. في الطريق الممتدّة على طول الحدود، كل شيء يوحي بالترقّب والحذر. مواقع العدو مرئية، وعلى مسافة قريبة منها أناس لا يراهم أحد. الروح متحفّزة، واليد على الزناد وتوازن الرعب مقيم على التخوم، فثمة من يوجّهون أبصارهم وقلوبهم نحو الألم الفلسطيني. دروس يومية بلا مواعيد محدّدة يتلقّاها العدوّ المحصّن في المزارع اللبنانية المحتلة، والصدى يسمع حقا هناك في رام الله وجنين وبيت لحم وسائر أنحاء الوطن السليب. وحدها تلك الناحية الحانية بكبرياء في جنوب الجنوب منحتني رؤية ما لم أره من قبل. أدركت معنى التماس مع الوطن وفداحة الانتماء اليه. وكان لي أن أعثر على تلك اللحظة الضائعة منذ زمن بعيد بعيد، أنّ بامكاننا أن نصنع المشهد الذي نريد، بامكاننا مفارقة العتمة.