قادتني الصدفة البحتة وأنا أقلب الصحف والمجلات والأوراق القديمة الى مفارقة مثيرة، فالتاريخ بأحداثه المختلفة مفرحة كانت أم محزنة ينحت وجهه في الزمن دون ان يعير المراهنين على تغييره وتزويره أية فرصة لذلك. والمفارقة ان ما وجدته تم تدوينه قبل أكثر من 40 عاماً تعليقاً على الحدث الذي ما زال مستمراً ونعيشه حتى يومنا هذا وهو المؤامرة الاسرائيلية الامريكية على شعبنا الفلسطيني، والصراع الذي كان ولن يتوقف ابداً ما دام هناك حق ضائع وقضية عادلة. المثير في تلك التعليقات والعبارات ان من يقرأها لابد وان يعلق قائلاً: ما أشبه اليوم بالبارحة، واليكم حصيلة تلك الكلمات المتقاطعة المتشابهة: ـ «ادعت الولايات المتحدة انها لا تبغي استعمار أرض، وصدقت، ولكنها ناصرت المستعمرين ولا تزال تناصر، وتناصر حيث الظلم فاجر، وتذبح الذبيحة عند أقدامها، وتولّي هي وجهها ناحية اخرى علّها تنجو من لومة لائم، ثم يكتشف اللوّام ان السكين كان من بعض هداياها!». أحمد زكي ـ العربي ـ أغسطس 1960 ـــ ـ «ما زالت الصهيونية هي الحائل الأول بين تفاهم العرب والغرب، ولا يزال العرب يؤمنون اننا نحن الذين ساعدناها على الانتصار وربطنا مصيرها بنا». ويقول أورويل: «والغريب ان المثقفين المستنيرين من البريطانيين كانوا دوماً ينظرون الى حق اليهود في فلسطين على انه قضية عادلة مفروغ منها دون ان يخطر ببالهم ان لسكانها العرب أي حق فيها». اي تناقض في التفكير يصدر عن مثل هؤلاء الناس الذين كان ينتظر منهم ان يكونوا منطقيين انسانيين؟! ونجد التناقض نفسه في تفكير الاشتراكيين والمفكرين الاحرار، لقد كانوا دوماً ينادون بحرية تقرير المصير، فإذا قيل لهم وهذا شعب فلسطين يريد ان تترك له حرية تقرير مصيره لاذوا بالصمت. وهذا يعني ان ما يتشدقون به من مبادئ لا يخرج من القلب وان هذه المبادئ ليست الا وسائل رخيصة للدعاية والظهور. ايان جيلمور ـ مجلة سبكتيتور ـ لندن 1960 ـــ ـ «في كتاب مستر كروسمان «إحياء أمة» الكثير من المغالطات والدجل السياسي، من ذلك انه يحاول ان يثبت ان اللاجئين الفلسطينيين انما اصبحوا لاجئين بمحض اختيارهم وان اسرائيل لم تطردهم. لقد نسي كروسمان ان اسرائيل هي جريمة الغرب وانه هو الذي أقامها بالقوة، كما نسي كذلك ان هذه الدولة لا تستطيع ان تحيا يوماً واحداً دون المساعدات التي تنصب عليها، والتي تبلغ مليون دولار في اليوم الواحد! أين العدل في طرد شعب ليعيش لاجئاً مشرداً دون مأوى وطمأنينة، تفتك به الأمراض، ليحل محله شعب آخر غريب يعيش على الحسنات السخية؟! مقال بقلم: ارسكين تشايلدز 1960 ـــ تلك الكلمات والمقالات التي نشرت قبل اكثر من 40 عاماً لو نشرت اليوم لأعطت نفس الأثر وتكلمت عن نفس القضية ونفس المأساة التي يعيشها شعبنا الفلسطيني، ومن هنا اقتطف ورقة قديمة نشرت في مجلة العربي في العام 1960 ايضاً انتقي منها أبياتاً من قصيدة بعنوان «خرافة السلام» للشاعر زكي قنصل يقول فيها: مليون لاج في العراء تشردوا لم يختلج لهوانهم مسئولُ نصبوا على درب الرياح خيامهم يُذكي جراحَهُمُ غدٌ مجهولُ ان يرقدوا فالذعر في أحلامهم وإذا صَحَوا فالهولُ والترحيلُ الحرّ يجلدهم بنار سياطه والقرّ سيف فوقهم مسلولُ والجوع يزرع بينهم آفاته فيلم غلة زرعه عزريل يزهو عليهم بالفتات مُنعّمٌ ويمنّ بالثوب الأرَث بخيلُ يا خائفين على السلام ألا اخجلوا دعوى السلامِ خرافةٌ وفضولُ! ـــ يبدو ان بعد هذه الابيات الشعرية التي سجلتها أوراق التاريخ قبل أكثر من 40 عاماً وهي تتحدث عن خرافة السلام، يبدو انه لم يتبق لنا الا ان ننشر النعي الذي تلقيناه عبر الانترنت وتلقاه الكثيرون عبر بريدهم الالكتروني كاملاً غير منقوص دون تعليق: نعي آل يعرب في شتى أرجاء العالم ينعون ببالغ الحزن والأسى فقيدهم الضمير العربي «والد المرحوم نخوة والمرحومة كرامة» الذي انتقل الى رحمته تعالى عن عمر يناهز 54 عاماً قضاه في طاعة أمريكا واسرائيل، وسوف يشيع جثمانه من البيت الأبيض الى مثواه الاخير في مقبرة منظمة المؤتمر الاسلامي. تقبل التعازي في مقر جامعة الدول العربية ولمدة ثلاثة أيام ابتداء من اليوم. تغمد الله الفقيد بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته. إنا لله وإنا إليه راجعون