فقدت التعمية الاعلامية الأمريكية على مايجرى في أفغانستان جانبا كبيرا من فعاليتها، ما عاد كثيرون يسلمون بمايصدر عن واشنطن ومحالفيها من أخبار وتقارير عن الحالة الأفغانية.. ومع ذلك، فإن اعلام التعبئة والتوجيه المخصص للحملة، لم يمل بعد محاولة اشغال الرأي العام الدولي بصغائر الأحداث، ولفت الانتباه بعيدا عن القضايا الجوهرية طويلة الأجل والمفعول. يتحدث المسئولون الامريكيون عن الملاحقات، الناجحة بنظرهم، لفلول قوات طالبان والقاعدة، الهائمة على وجهها في براري افغانستان وقفارها، الباحثة عن ملاذات آمنة على أطراف البلاد وتخومها، وبدورها، تتلقف الآلة الاعلامية الغربية الجبارة هذه المعلومات (المدهشة)، وتقوم بترويجها بعد الاضافات الواجبة التي من شأنها تخليق الانطباعات والمدركات المطلوبة لدى كل من يعنيهم الامر. في اطار كهذا، تصبح كل خطوة محدودة الأثر عملا مثيرا للاعجاب والاهتمام الشديد. بينما تغيب عن واجهة الصورة تلك الوقائع والتطورات ذات الطبيعة الجذرية، التي يمكن أن تلقى بظلالها على المسار الاستراتيجي للحملة برمتها. مثلا، عرض قادة الحملة، ومن خلفهم اعلامهم الموجه، لقضية اعتقال أحد أعضاء القاعدة، المدعو (أبوزبيدة)، على أنه انجاز عظيم أو كما عبر أحد محللي وكالة الاستخبارات الأمريكية .هذا أكبر انتصار حققناه. انه أكبر سمكة اصطدناها حتى الآن! ففي تقديرنا ان مجمل الحالة الافغانية وتوابعها الاقليمية والدولية، باتت عصية على التطويع بحسب اهواء واشنطن ومحازبيها، ولا يعود ذلك فقط على عودة الروح أو الوعي والصحوة لحركة طالبان وتنظيم القاعدة، بل لوجود خلل هيكلي في المقاربة الأمريكية لهذه الحالة، مؤدى ذلك، ان الاندحار الكامل، حقيقة لا زعما أو افتراضا، لكل من طالبان والقاعدة، قد لا يكون خاتمة المطاف بالنسبة للمشاكل الأمريكية في بلاد الافغان وجوارها.. فمن الملفت في هذا السياق: أولا: ان السياسة الامريكية اساءت تقدير متانة الصلات العرقية على امتداد الحدود الافغانية مع الجيران، لقد تصورت واشنطن ان القواطع السياسية تجب التقاليد القبلية وروابط الدم، وماتستدعيه من اجارة الاخوة وابناء العمومة أو شركاء الدين والمذهب. وذلك ضد من يعتبرون غزاة أجانب وغرباء في التحليل النهائي. ثانيا: وان هذه السياسة اخطأت في توقع تأثير المحدد الثقافي وقوة فعله السحرية على مدركات الافغان وسلوكهم ومن القيم المتأصلة في هذا الاطار، كراهية الافغان للسيطرة الأجنبية، لاسيما حين تتشح هذه السيطرة بسمات الاستعلاء وفرض الارادة والعبث بالمكنونات الفكرية الدينية يقول الشيخ سيف الرحمن منصور، أحد الوجوه القيادية المحلية من غير طالبان والقاعدة سوف ندافع عن انفسنا حتى اخر رمق، فنحن نفضل الموت على العيش في الذل والمهانة. ثالثا: لم تتمكن حكومة حميد كارزاي المؤقتة من استقطاب كل القوى الاجتماعية العرقية في البلاد. ولا هي أظهرت توجها مسئولا نحو ارضاء المشاركة السياسية المتكافئة لأطياف هذه القوى. وهذا سيؤدى الى تكوين حالة النفور أو حتى العداء الداخلي تجاهها وممايفاقم من هذا الوضع، استبعاد عرقية فاعلة تمثل اغلبية عناصر السكان كالبشتون ويبدو أن التسوية الداخلية الافغانية التي جرت برعاية واشنطن (مؤتمر بون)، سعت الى تصحيح خطأ نظام طالبان (البشتوني في جله) بخطيئة ازاحة هذا العنصر الى حد كبير. فإن لم تستدرك هذه الخطيئة في مجلس (لويا جيركا) المزمع، أضحى الاستقرار الداخلي مستحيلا. رابعا: هناك جموح أمريكي واضح نحو التغلغل في اسيا الوسطى، وقد اتخذت افغانستان كخشبة قفز لتحقيق هذا الهدف القديم - الجديد. إلى ذلك كله، فإن تحالف الشمال المتعاون مع واشنطن وانصارها، لم يعرض نموذجا جذابا للحكم والادارة والاخلاق، يخالف نموذج طالبان، وفي غضون الشهور القلائل من سيطرة هذا التحالف، بدا أن التحولات المنتظرة لن تكون ذات بال، ومعظمها يدور حول قضايا شكلية (ارتفعت مثلا معدلات الجرائم وزراعة المخدرات). ثم إن واشنطن وحلفاءها الأفغان، عرضوا انماطا شديدة الفظاظة في تعاملهم مع اسرى طالبان والقاعدة وفلولهما المطاردين. وأهملت في هذا الاطار أفكار التسامح والقانون وشرعة حقوق الإنسان.. وهذه رسالة لكل المعارضين بأن عليهم القتال حتى الموت في حال حدوث مواجهات. هذه الأسباب البنيوية العضوية ونحوها، تدعونا الى مشاطرة (دونالد رامسفيلد) وزير الدفاع الأمريكي القول بأن (الحملة الافغانية مازالت بعيدة عن خط النهاية). ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة