مواكب الجنازات.. أعراس الدم.. أطفال الحجارة.. مصرع محمد الدرة برصاص الجبن في أحضان والده، جريمة مقتل الطفلة ايمان حجو.. دموع الأمهات.. القهر الحافر أغواراً في قلوب الرجال، الشباب الذاهبون للشهادة يحرثون فلسطين بأرواحهم، وبدمائهم ترتوي الساحات وتنبت شقائق النعمان.. وكل الصور والمشاهد التي تخترق عيوننا كل لحظة كشظايا، وتفجر قلوبنا كقنبلة.. كل هذه الصور ليست للفرجة، وليست تمثيلاً أو صوراً مفبركة، تلك حكاية أخرى تيقظنا أخيرا وفهمناها بعد زمن طويل! تلك المشاهد ـ أيها الأعزاء ـ كُتبت نصوصها بدم صبية فلسطين وصباياها وشبابها، وسُجلت بانتزاع أرواحهم كما انتزعت رصاصة جبان صهيوني روح محمد الدرة ورفاقه وكما انتزعت أسلحة أمريكا الحياة من عيون الطفلة ايمان حجو ورفيقاتها، تلك الصور خُلدت بالأشلاء وبالنعوش والجنازات والقبور.. تلك المشاهد التي تفجر دمنا ودمعنا هي التي رسمت مجد القضية ومجدنا، وهي التي غسلت عار كل السلطات وعارنا، ونزعت غصة العجز الراقد فينا منذ سنين! مشهد مقتل محمد الدرة، وأشلاء الاستشهاديين ودماء الطفولة يتفجر في عيون العالم ليل نهار، هي التي وجهت تهمة التواطؤ للكبار الذين ما عادوا كباراً على الاطلاق. وهي التي حثت التراب في وجوه المتخاذلين والصامتين والموقعين والمطبعين والهاتفين لسلام الشجعان والمانحين جوائز السلام للخونة والقتلة وسافكي الدماء. لقد وقف كل الرؤساء الامريكيين وزوجاتهم، وكل رؤساء أوروبا وزوجاتهم امام ضريح المحرقة اليهودية بعيون تماسيح دامعة وبأياد متشابكة وبدلات سوداء، يكفرون عن اخطائهم في حق اليهود، أما ضحايا اليهود في فلسطين أما الاطفال والشباب الذين يقتلون كل يوم، أما المهجرون والنازحون والمهدمة بيوتهم على رؤوسهم، والنائمون في العراء، والباكون دماً على فقد الأحباب والأبناء، هذا الهولوكوست اليومي الذي يصنعه اليهود يوميا في فلسطين فلا يستحق من الادارة الأمريكية دمعة واحدة، بل يستحق اليهود عليه الدعم والتأييد، وما ذاك بغريب على أمة تلقن يوميا بأن افضل دولار يباركه الرب هو الدولار الذي ينفق من أجل (اسرائيل)! اليوم نعيش زمن الشعوب، فالشعوب هي التي ادارت الأزمة خلال الاسبوعين الماضيين في حين صمت الجميع، والشعوب هي التي دفعت الملايين وأعطت ما تستطيع لأجل فلسطين، والشعوب هي نابت عن أنظمتها في معارضة السياسة الأمريكية وشجبها والتبرؤ منها، وهي التي تحركت ووضعت الأجندة السياسية بكل أولوياتها وتفصيلاتها، أما ان تنفذ هذه الأجندة أو لا فتلك حكاية اخرى تضيفها بعض الأنظمة ذات الثقل العربي الى رصيد تاريخها المعروف! الشعوب صارت على وعي ويقين بأنه لا داعي ابدا لانتظار أي شيء من أمريكا، فأمريكا محكومة باليهود واليهود يسيرون الادارة الأمريكية وسيسيرون الامبراطورية الامريكية التي صارت لا تغرب عنها الشمس حتى اخر رمق، لكن سؤال الشعوب: هل سيظل هؤلاء «ساجدين» أمام عرض الامبراطورية وعاصمتها الثانية (اسرائيل) حتى آخر رمق من آخر مواطن عربي؟ هل سيبقى أبو عمار يتحفنا كل لحظة ويذكرنا بسلام الشجعان وبرفيقه (رابين) وكأنه نسي جرائم رابين صاحب نظرية تكسير عظام الفلسطينيين؟ هل سيظل وزراء السلطة مصممين على انهم وزراء ببدلات فاخرة وربطات عنق بينما الشعب الفلسطيني يباد يوميا، وهم يطلقون التصريحات عبر الفضائيات وكأنه لا دور ميدانياً لهم؟ هل ستبقى الأنظمة العربية مصرة حتى الابد على اسقاط خيار المواجهة العسكرية مع الصهاينة؟ اذن فلماذا الجيوش والأسلحة والتدريب والمناورات ومئات الآلاف من الجنود؟ ولماذا لا تسقطه (اسرائيل) كما اسقطته الأنظمة؟