حتى تكون سائراً مع الموجة عليك ان تسجل موقفاً يتناسب مع الحدث. وحتى يتناسب موقفك مع الحدث عليك ايضا ان تبادر الى حركة تسجل من خلالها موقفك لتكون بذلك نصيرا لاخوتك في الاراضي المحتلة وتجد لنفسك مجالا للحديث عما يجري هناك. هذا ما يحدث هذه الايام في ظل كل هذا الدمار والخراب والقتل والبربرية الهوجاء التي يقودها سفاح ارعن تنصلت منه الانسانية وخاصمته ابسط مشاعر البشر، فلم يجد مفرا من التعبير عن تعطشه للدماء غير ان يعدم الناس في الشوارع بالمئات وان يبيد المكان ويدمره كما لو ان هيروشيما جديدة تحضر الآن. وفي ظل ذلك يجري لهاث عربي لتسجيل مواقف كلامية ضد ما يجري وشجب ما يحدث وان سلمنا جدلا بما يفعله الكاتب باعتبار ان القلم سلاحه الذي يدافع به عن الحياة وحق الاحياء في العيش بسلام، فان المغني يستخدم صوته سلاحا مماثلا لكن ليس دفاعا عن الحياة او دفاعا عن الاحياء بل ليسجل موقفا وطنيا راكبا الموجة التي تقتضي منه ان يغني اغنية لفلسطين او للانتفاضة. وحتى لا يكون هذا الكلام اشبه بحاطبي الليل ينسحب على جميع المغنين فانه ينطبق على ما نسبته 99 بالمئة من المغنين الذين اطالوا الطريق الى فلسطين وهي نسبة تتوافق مع الانتخابات العربية والانتصارات العربية والمفاخر العربية، لان لا احد يجيد تسجيل نسبة 99 بالمئة في الانتخابات غير الحاكم العربي، كما ان لا احد يحول هزائمه الى انتصارات غير القائد العربي وبالتالي لا شعبا يفتخر بأمجاده واجداده كما يفعل العرب. حيث جاء مطربوهم على شاكلتهم فغنوا للنصر وافتخروا بالامس حتى نسي الناس حاضرهم وضلوا الطريق الى مستقبلهم. ترى لو تساءلنا كم عدد الاغاني التي سجلها مطربو اليوم لفلسطين وكم من المجازر الغنائية التي لحنت باسم فلسطين لادركنا ان الفن ليس رصيدا ايجابيا في المعركة. واجابة عن ذلك السؤال فان كل ما قدم من اغنيات وطنية عن هذه المرحلة خالية من العمق والمعنى الجيد، ولا ننسى اللحن الذي وضع على عجل والصوت الذي لم يفق من سهرة الفرفشة والنفنشة التي كانت امس، ويبدو انه اصبح كافيا ان يضع المغني الكوفية الفلسطينية على كتفيه، ثم يرفع عقيرته بالغناء كما كان يفعل سابقا في زمن «الهيلا هوب» ويكفي ان يصوره احد الهواة ليكتب عنه موضوعا في مطبوعة او لتبث اغنيته عبر محطة فضائية وبعدها يمكن ان يتحدث عن فلسطين والانتفاضة والعروبة والقومية والاسلام لمدة ساعتين ويختتم بأمله العظيم ان يغني غدا في القدس. لهؤلاء وامثالهم نقول: يا شباب لقد اطلتم الطريق الى وطنكم لانكم زرعتم وجداناً شائهاً في نفوسنا وقدمتم كلاما سخيفا لأجيالنا وعبثتم بذائقتنا حتى اننا لم نجد معنى لكل اغانيكم في جميع قواميس العواطف الهندية واليونانية والاسبانية التي تنهشون منها الحانكم وتصورون فيها كليباتكم. ولهذا كانت اغانيكم (الوطنية) مجرد تسجيل مواقف. وا أسفاه.