أرسل لي صديق قصاصة فيها قول تأثر به ويرى انه ينطبق على الإعلام وتحديدا إعلامنا العربي وهي قضية المعلومات الناقصة، أو بعبارة أدق المعلومة المغيبة، تحمل قصاصة الصديق عبارة كتبها «آرثر سالزبورج» مؤسس جريدة «نيويورك تايمز» تقول: إن رأي أي إنسان في أي قضية لا يمكن أن يكون أفضل من نوع المعلومات التي تقدم إليه في شأنها. أعط أي إنسان معلومات صحيحة ثم اتركه وشأنه تجعله معرضا للخطأ في رأيه ربما لبعض الوقت ولكن فرصة الصواب سوف تظل في يده إلى الأبد. أحجب المعلومات الصحيحة عن أي إنسان أو قدمها إليه مشوهة أو ناقصة أو محشوة بالدعاية والزيف تدمر كل جهاز تفكيره وتنزل به إلى ما دون مستوى الإنسان. في إعلامنا العربي ماذا نقدم لهذا الجمهور الذي ينتظرنا قارئا أو مستمعا أو مشاهدا؟ هل نقدم له معلومة، وما هذه المعلومة التي نقدمها؟ كيف لونها ولماذا نقدمها ؟ في بلداننا العربية لا يوجد أكثر من منابر الإعلام التي تسكن حدود هذه الدول أو التي تدعم وتقوم وتقوى في المنفى بفضل المال العربي، تتساوى الدولة الثرية وتلك الفقيرة أو المتخلفة في كل شيء عدا «ألسنتها» وقنواتها، جميعهم يتوحدون في كثرة وجود المنابر الإعلامية لديهم. هذا التكاثر الإعلامي والحرص على وجود هذه القنوات لا يعني اهتماما بجانب التثقيف والتنوير أو سعيا إلى صناعة إعلامية يقوى فيها الوطن والمواطن وتساهم في نهضة الأمة وأداء رسالة إعلامية سامية نحو خلق الوعي لدى المحيط الخارجي المؤثر دوليا. أبدا هذه أهداف وغايات لا يهتم بها الجميع، لا يفكرون بها ولا يسعون نحوها. إن الإعلام في معظم بلداننا، هدفه الأول الدعاية وهدفه الثاني مزيد من الدعاية، وجد لأجل ذلك فقط، مهما اختلفت الوسائل، وصور هذا الإعلام، فالغاية واحدة. هذه رسالته أن يكون بوقا فلا يهم ان كان يقدم معلومة حقيقية وتثقيفية، أو كان كل ما فيه حشواً وثرثرة لا نفع منها. لا يهم ان كانت المعلومات التي يبثها مبشورة أو مبتورة أو حتى تكون معلومته كاذبة. المهم أو الأهم ألا يخرج منه ما يقلق النظام والحكومة وألا يقفز عن المرسوم ولا يتعدى حدود خط المسموح به. حتى الإعلام الخاص الذي نظنه حرا وأكثر صراحة وصدقا من إعلام الدولة، هو الآخر أكثر تقيدا وأكثر حرصا هذه المرة على مصالح أصحابه وصورة المالكين له فانه وجد ليكون لسانهم، أو هدفوا من ورائه إلى الربحية، فالذي يسيره ويرسم خطه هو حركة السوق فمقابل الإعلان قد يتنازل عن كل القيم والأهداف وصحة المعلومات وفحوى الرسالة التي ينادي بها. وقد يكون خطر مثل هذا الإعلام في أمر غسل العقول أشد من الإعلام الرسمي. من ينقذ المتلقي من مثل هذا الإعلام الحائر الخائف والمتخوف من كل شيء ؟ وحده الإعلام هو الذي يملك الحل، ويمكنه أن يرحم انسانه من كل هذه الضبابية، والتشويه والتشويش الذي يمارسه عليه. يمكن لهذا الإعلام أن يقوم بهذا الدور العلاجي، متى ما أصلح ونظم بيته من الداخل، ونظر إلى العالم الجديد حوله وأعاد تقييم ما يقدمه وما يريده، وما ينفع الناس وما يفيد أمته في هذا الزمن الأسود الذي تعيشة. ينصلح حال الإعلام ونظرة الناس وتفكيرها ورؤيتها للأمور، عندما يحترم هذا الإعلام عقول هؤلاء الذين يتابعونه ويصدقونه، يقدم لهم المعلومة بأكبر قدر من الصراحة والشفافية حتى لو كانت قوية صارخة مزعجة، خير له أن يتلقاها من إعلام وطنه من أن تغزوه من الخارج ملوثة مبطنة بغايات وأهداف قد لا ينسبه لها وسط وهج صدمة المعلومة التي يتلقاها. والحقيقة التي تكشفها الأيام والتجارب أن لا توجد حرية كاملة خاصة في مجال الإعلام، هناك مساحة لا بد أن تظل مغلقة، مقيدة، وهذا ما رأيناه ونراه اليوم في أمريكا ودول الحريات والديمقراطية، فكل شيء حر ومفتوح في الأيام السهلة لكن عندما تتغير الظروف، وتبدأ حسابات المصلحة، فإن الحرية أيضا تكون على الميزان لها حدود وعليها قيود.