لم يعد بالامكان الصمت على المجازر البشعة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني بأطفاله ونسائه وشيوخه وشبابه. لابد من خطوة عملية قادرة على تغيير المعادلة القائمة التي فرضت على الأمة العربية بالقوة الامريكية وبالارهاب الصهيوني. فقد بلغ الارهابي شارون أقصى درجات النازية الجديدة التي تتلذذ بسفك الدماء وتهدم المنازل على من فيها وتقتلع الاشجار تعبيرا عن عشقها للتدمير الشامل الذي لا يوفر شيئا. لكن شارون هذا يعبر عن مجتمع هو ليس كأي مجتمع، انه المجتمع الاستيطاني الصهيوني القائم على أساس اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه. وهو مجتمع عسكري بكامله، حيث ان الكيان هو الوحيد بين دول العالم الذي يمكن وصفه بأنه جيش يؤسس دولة بدلاً من الدولة التي تؤسس جيشاً لها. وهو مجتمع مثل المفرمة، فحين يجلب المهاجرون من مختلف أصقاع الدنيا الى فلسطين، يدخلون في الجيش الذي يقوم من خلال جنرالاته وحاخاماته بغسل دماغ اليهودي القادم من أوروبا والولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى، لتبدأ عملية تزوير التاريخ، فيطلعونه على آثار (يهودا والسامرة) أي الضفة الغربية ويدّعون انها آثار يهودية ويجولونه في فلسطين من البحر الى النهر ويدعون انها أراضي الميعاد، وان العرب دخلاء على هذه الأرض. يخرج المستوطن من الجيش، بعد غسيل دماغ مدروس، حاقداً على كل ما هو عربي فلسطيني، بل يقتنع بأن الفلسطينيين ليسوا بشراً فتنزرع فيه روح النازية الجديدة والسادية، سواء كان في أراضي الـ 48 أو في الضفة الغربية وغزة، ولذلك ليس من المستغرب ان المجتمع الصهيوني مسلح بكامله، وليس هناك من لا يعرف كيف يطلق الرصاص على الأطفال والشيوخ. ومن هذا المنطلق، نلاحظ كيف تتم عملية القتل بدم بارد، وتنفذ المجازر الجماعية في مدينة جنين ومخيمها ونابلس ورام الله وطولكرم وغيرها من المدن الفلسطينية حيث السلاح الصهيوني مشرع ضد كل ما هو فلسطيني والأوامر واضحة باطلاق الرصاص كلما شعر الجنود الصهاينة بالملل والسأم! إلا ان هذا الأمر ليس غريبا على كيان استيطاني أسس ليكون شوكة في خاصرة الوطن العربي وليستنزف ثرواته ويعطل مسيرته نحو التطور والتقدم. وهكذا كان، فخلال أكثر من نصف قرن، أي منذ نكبة فلسطين في العام 1948 وعملية الاستنزاف قائمة في بلدان الوطن العربي، هذا الاستنزاف الذي أخذ أشكالاً عديدة أهمها وأكثرها خطورة هي حالة الفساد الاداري والمالي والسياسي التي عششت في العديد من البلدان العربية مصحوبة بحالات القمع وانعدام الديمقراطية تحت ذريعة لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. وبهذه الأساليب، بدأت المجتمعات العربية تعاني حالات من التحلل في مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ففي الجانب الاقتصادي تردى أداء الاقتصاد العربي الى المستويات التي تحولت فيه بعض هذه الاقتصادات الى الأداءات السلبية، فبدأت الازمات تنخر فيها مثل البطالة التي تسجل معدلات عالية جدا، فبلغت أعداد العاطلين عن العمل في الوطن العربي أكثر من 14 مليون مواطن عربي، وبلغ النمو الاقتصادي مستويات متدنية أقل من النمو السكاني، وتفرخت الأزمات مثل الاسكان والفقر حيث تراجعت الأجور الى مستويات خطيرة أصبح معها أغلب سكان الوطن العربي يعيشون تحت الحد الأدنى لخط الفقر، وتآكلت الطبقة الوسطى بطبيعة الحال، وأصبحت الأقلية التي لا تزيد على 20% من السكان تتحكم في الغالبية الساحقة منه. أما في الجانب السياسي، فإن الفشل الذي صاحب الأداء الاقتصادي، انعكس على الواقع السياسي، فتراجعت الحريات العامة الى مستويات أضحت خلالها أغلب الدول العربية على القوائم السوداء في المنظمات الحقوقية، وبدلا من فتح المدارس والمستشفيات والطرق، كانت الأولوية للمزيد من المعتقلات والسجون التي لا تصلح (للسكن) الآدمي، حيث تنتفي أبسط الشروط والحقوق المتعارف عليها دوليا. هذه المعطيات قادت الى تفكك المجتمعات العربية من الداخل، تعبيراً عن عجز الأنظمة الرسمية من القيام بأدوارها التنموية الحقيقية، بل ان التطورات التي شهدتها المنطقة خلال العقد الأخير من القرن الماضي أدت الى انهيار النظام الرسمي العربي وعدم قدرته على الدفاع عن نفسه أمام المخططات التي تقودها الدوائر الصهيونية بضوء أخضر وبدعم مطلق من مختلف الادارات الأمريكية. لذلك، وحين أسدل الستار على حرب الخليج الثانية بانسحاب القوات العراقية من الكويت، سارعت الولايات المتحدة الى طرح حلولها ازاء القضية الفلسطينية. فجاء مؤتمر مدريد في صيف العام 1991، ولحقه البدء بالمفاوضات العربية الصهيونية التي انقسمت الى مسارات ، فتحول المفاوض العربي الى لاعب في ماراثون الوهم الذي صوره له مفاوضو الكيان الصهيوني والمسئولون الأمريكيون، حتى جاء اتفاق أسولو في العام 1993، وبعدها اتفاقية وادي عربة لتضع المنطقة أمام معطيات جديدة مرجعيتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني اللذان يتفقان في كل المواقف ويناوران على المفاوضين العرب الذين كانوا يخبئون كل شيء عن بعضهم البعض ويكشفون كل أوراقهم على طاولة المفاوضات مع مندوبي الدولة العبرية. ومع اكتشاف السلطة الفلسطينية حقيقة الوهم الذي أدخلت اليه وكذلك المفاوض العربي، سئم الشعب الفلسطيني المراوغات، وأيقن ان الوعود لم تكن إلا سراباً، تفجرت أثره انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من شهر سبتمبر 2000 وقدم الشعب الفلسطيني تضحيات كبيرة دفاعا عن شرف الأمة العربية والاسلامية فتواصلت قرابين الشهداء الذين يسقطون ليغسلوا بدمائم الزكية عار الأمة وخذلانها. اليوم، وبعد انقشاع الوهم يتأكد التطابق الصهيوني الأمريكي في كل المواقف. ويتبين ان الولايات المتحدة لن تقف الى جانب الحق أبداً، بل ستذهب بعيداً دعماً للكيان الصهيوني في قتله أطفال فلسطين ونسائها وشيوخها. وستقف الادارة الامريكية بالمرصاد لمن يحاول تمرير قرار من مجلس الأمن يطالب فيه بالانسحاب الصهيوني من الأراضي المحتلة، وستتهم أي مطالب بمحاكمة شارون بأنه ارهابي يجب ارساله الى قاعدة بحرية قرب البر الكوبي! لكن الشعب الفلسطيني الذي قدّم كل هذه التضحيات تمكّن من إحداث صحوة في المجتمعات العربية التي أيقنت بدورها الحال الذي وصل اليه النظام الرسمي العربي فراحت الجماهير العربية تعبر عن موقفها الذي أخذ في التصاعد ترافقاً مع ازدياد المجازر المرتكبة في الأراضي المحتلة وحالة الحصار الدائم المفروضة على شعبنا هناك. والمطلوب الآن أن يأخذ الشارع العربي المبادرة، وان يستمر في احتجاجاته، وأن يبدأ في تفعيل دعمه وتضامنه مع انتفاضة الأقصى المباركة وذلك من خلال تعزيز وتطوير حملات الدعم المالي والمعنوي. وليس هذا إلا أقل الواجب المطلوب. فالتكافل والتوأمة الأسرية أضحت واجباً قومياً على المجتمعات العربية. وتوصيل الموقف للادارة الامريكية عبر مقاطعة السلع والبضائع الامريكية ومقاطعة النشاطات التي تقوم بها سفاراتها في العواصم العربية. إن مراجعة النظام الرسمي العربي لمواقفه لم تعد مسألة قابلة للتأجيل إذا أراد هذا النظام حفظ ما تبقى من ماء الوجه. ـ كاتب بحريني