سجلت المقاومة الفلسطينية التي تواجه القوات الاسرائيلية الكثير من المواقف ذات العمق البطولي. في هذا شكل الصمود الفلسطيني حالة علينا ان نتمعن في ابعادها. اذ عبر عن المباديء وعن عمق صدق القضية الفلسطينية بصفتها قضية حق اخلاقي من اجل حقوق سليبة ومستقبل. ولكن الاهم في كل ما حصل هو مقدرة المقاومة في فلسطين على خلق حالة استنهاض عربية لم تشهد البلاد العربية شبيها لها منذ ازمان بعيدة. بل شكلت حالة النهوض الشعبية مؤشرا نحو حالة عربية قد تتجدد وقد تترك تأثيراتها في المرحلة المقبلة. بل ان الحالة العربية نجحت في فرض اجندتها على السياسة الامريكية التي ارسلت وزير الخارجية كولن باول للتعامل مع الوضع بمعنى آخر يسجل للمقاومة موقفها ويسجل للشارع العربي مقدرته على تحريك الأوضاع السياسية الدولية لصالح الشعب الفلسطيني. وتستمر المقاومة الفلسطينية مسجلة بوسائلها الموقف تلو الموقف. فالشهداء الذين سقطوا دفاعا عن الضفة الغربية هو تأكيد على انه لا حل ولا نهاية لهذا الصراع في ظل الحراب الاسرائيلية، وأن قضية تقرير المصير اصبحت مسألة لا تتحمل تأجيلا او توقفا. وهو تأكيد بأنه لا حل لهذا الصراع في ظل حالة من الاستكبار في التعامل مع العرب والفلسطينيين حول قضايا الارض والانسحاب والاستيطان والقدس وبقية الحقوق. لقد حققت اسرائيل في السابق، وقد تحقق في المستقبل، الكثير من الانتصارات العسكرية ضد الشعب الفلسطيني، فهي تمتلك جيشا متطورا وقدرات عالمية، ولكنها لن تستطيع تحويل ذلك الى انتصار سياسي يحقق لها الأمن والسلام وانهاء الصراع على شروطها. فالعنف يولد العنف، والقتل يولد القتل، والاحتلال يولد الكراهية. بل نجد ان اسرائيل قد خلقت غضبا وثورة في صفوف جيل عربي جديد، وانها تدمر اليوم بنية تحتية شاملة لشعب بكامله، وانها استهدفت الشعب والمدنيين والسكان. ونتساءل هل فكرت اسرائيل بمستقبل التعايش أم ان سياستها الراهنة لم تعد تراهن على التعايش وانحازت لمنطق الحرب المفتوحة مع العرب؟ هل فكرت اسرائيل بما سيراه العالم بعد انسحابها من حيث عمق القتل والمجازر وعمق الدمار والتنكيل الذي لحق بالشعب الفلسطيني؟ هل فكرت اسرائيل بأن هذا الاستكبار مع بيئة عربية يعيش فيها اكثر من مئتين وأربعين مليون عربي لن يكون لمصلحتها في المدى البعيد؟ وهل فكرت ان تعايشها مع الشعب الفلسطيني الذي يمثل اكثر من ثلاثة ملايين في الضفة وغزة وأكثر من مليون في اسرائيل لن يكون ممكنا من خلال البطش والقتل؟ وهل فكرت انها في نهاية المطاف سوف تضطر لايقاف هجومها وان الفلسطينيين سوف يستمرون في مقاومة الاحتلال كما سبق وان قاوموه في انتفاضات السابق والراهن لحين فوزهم بحقوقهم الوطنية؟ ان مسألة الارهاب تتطلب اعادة النظر بمسببات الارهاب. بل ان حماس والجهاد الاسلامي كانتا في مواقع الاقلية في التسعينيات في الضفة الغربية، كما انه لم تقع عملية واحدة تستهدف المدنيين على مدى عام كامل قبل الانتفاضة وقبل فشل عملية السلام الفلسطينية الاسرائيلية. لقد اكتسبت كل من حماس والجهاد الاسلامي قوة وشعبية ومعهما شهداء الاقصى كردة فعل كبيرة على سياسة اسرائيل بمضاعفة الاستيطان واهانة السكان واغتيال النشطاء واستمرار استيطان واحتلال القدس، بمعنى آخر: الذي سبب العنف الفلسطيني المفتوح هو ظروف حقيقية مرتبطة بالاضطهاد، وهذا لن يتوقف الا في ظل تسوية سياسية تقوم على مباديء حق تقرير المصير. ان التصور الاسرائيلي الذي يقوده شارون قائم على القوة العسكرية. لكن الرؤية العسكرية الاسرائيلية قد تسبب حربا عربية اسرائيلية جديدة، وقد تكون الاساس لمزيد من الآلام والقتال. ان الرؤى العسكرية التي تعتقد بامكانية تغير جميع الموازين وحل جميع المشكلات من خلال العنف واضطهاد الآخرين وتأكيد الاحتلال والاستيطان تثبت قصورها في هذه المواجهة. لقد اكدت الاحداث بأن المقاومة بكل اشكالها تستطيع ان ترفع رأسها امام زخم الهجوم الاسرائيلي، وهي بهذا ترفع العالم العربي معها. ـ أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت