عندما انتقل ممثلو «برلمان الكُتاب الدولي» إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة ليعلنوا رفضهم للممارسات العنصرية الصهيونية بعد أن راعهم صمت الساسة المريب على كل الأصعدة، لم يكن من بينهم من يعي الحقيقة المرة التي سيواجهونها على ارض الواقع سوى الكاتب الإسباني «خوان جويتيسولو» الذي كانت زيارته تلك الرابعة، سبقتها زيارات ثلاث مطولة أنجز خلالها العديد من البرامج التلفزيونية التي تدين الاحتلال الإسرائيلي، وتكشف حرب «الإبادة» التي يمارسها ضد الشعب الفلسطيني. وأيضا كتب خلال تلك الزيارات عددا من الأعمال الصحافية والأدبية، منها مجموعة مقالات في زيارة له عقب اتفاقات أوسلو، كان لي شرف ترجمتها ونشرها باللغة العربية، صدر جزء منها قبل خمس سنوات في كتاب بعنوان «دفاتر العنف المقدس»، وتوقع فيها ان تلك الاتفاقات ستصل بالحال إلى ما وصلت إليه حاليا، يؤكد الآن أنها لم تكن نبوءة منه ولكنه قرأ الواقع بصدق. لذلك كانت مفاجأة ما هو على أرض الواقع اليوم في العاصمة الفلسطينية المحتلة «رام الله» وما حولها من المدن والقرى الفلسطينية المدمرة كبيرة على من كانت تلك زيارتهم الأولى، وجعلت بعضهم يقارن ـ في دهشة ـ بين ما يراه وما كان يسمعه عن مناطق أخرى في العالم كانت مماثلة لما يحدث الآن في وجودهم وأمام أعينهم، فقد أشار أحدهم من نافذة السيارة التي كانت تقلهم عبر بقايا المدن والقرى الفلسطينية التي دمرتها الجرافات الإسرائيلية، وأقامت على طرقها الحواجز العسكرية التي تمنع الاتصال ما بين قرية وأخرى إلا بتصريح خاص، لم يكن الهدف منه أمنيا بقدر ما هو «إذلال الفلسطيني والنيل من كرامته في محاولة لوضع حد لمقاومته»، فقد قال أحد أعضاء وفد برلمان الكتاب الدولي أن «هذا مزيج من التبت وبرلين قبل سقوط حائطها الشهير». لكن رؤية المستعمرات الصهيونية المزروعة في الأرض المحتلة، بشكلها النظيف المرتب التي يتناقض مع الركام الذي تشكله بقايا القرى الفلسطينية المدمرة، والرفاهية التي يتمتع بها المستعمرون القلائل الذين يسكنونها على حساب معاناة المواطن الفلسطيني المالك الحقيقي لهذه الأرض الذي يعيش مكدسا في كيلومترات قليلة، جعلت يرد عليه آخر «بل انه نظام الأبرتهيد العنصري الذي كان قائما حتى وقت قريب في جنوب أفريقيا». حرب إبادة مجموعة الكتاب المكونة من ثمانية يمثلون جنسيات وانتماءات عديدة كان من بينهم «وول سونيكا» النيجيري الحاصل على جائزة نوبل، والبرتغالي جوزيه ساراماجو أول من حصل على جائزة نوبل للآداب من كتاب اللغة البرتغالية، وكان هذا الأخير صامتا طوال الطريق يراقب ما يحدث حوله من جرائم، ويحاول أن يجد له شبيها في ذاكرته التي شهدت أسوأ ما أبدعته النفس البشرية من تدمير، ولم يجد له شبيها في التاريخ الإنساني المعاصر سوى ما حدث على أيدي النازي، ليس ضد اليهود فقط، بل ضد كل من كان النازي يريد تحقيقه من «سمو الجنس الآري». ولأنه يدرك أن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة على أيدي جيش مسلح بأحدث ما يملك البشر من أدوات للتدمير في هذا العصر لا يمكن التعامل معه على أنه مجرد «مواجهة» بين قوتين، بل هو حرب «إبادة» لا يمكن أن يكون لها اسم آخر، فقد قال كلمته التي كانت لا تعني سوى الحقيقة: «هذه هي المحرقة النازية التي يمارسها الجيش الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني». بهذا التصريح المباغت للإعلام الصهيوني، ليس في إسرائيل وحدها بل والإعلام التابع والمؤيد للصهيونية في العالم أجمع، كان رأي جوزيه ساراماجو خروجا عن نطاق الآراء واللغة الدبلوماسية التي اعتادوا سماعها من «المرتعبين» من مجرد نطق كلمة «المحرقة»، رغم أنها لم تعد تقول شيئا بعد كل هذه السنوات التي استهلك استخدامها من قبل إسرائيل، لم يكن رأي ساراماجو لما يرى سوى وصف للواقع بالكلمات التي تعني بالضبط ما تعنيه اللغة المجردة، بعيدا عن الهروب من مواجهة الواقع الرديء الذي يعيشه العالم اليوم والذي يتعامل مع القضايا الكبرى طبقا لما تمليه المصالح الضيقة لمن يلمسونها ويكون بين أيديهم حلها أو التخفيف من وقعها. هذه الصدمة التي أحدثتها تصريحات جوزيه ساراماجو في إسرائيل وبين مؤيديها تكشف عن جهلهم لموقف الرجل، فهو لم يكن يوما من هؤلاء الذين اعتادوا الابتعاد عن الصدق في التعبير، لا في وطنه ولا خارجه، حتى خلال تسلمه لجائزة نوبل كان خطابه من أجرأ الخطابات التي اعتاد جمهور نوبل أن يسمعها، لذلك في زيارته للعاصمة الفلسطينية المحتلة «رام الله» لم يمنع نفسه من التعبير عن رأيه الحقيقي الذي يفكر فيه دون انتظار لمكافأة من أحد، بل كان يعرف أن كل ما سيقوله قد يجلب له المتاعب من وسائل الإعلام التابعة والخاضعة للسيطرة الصهيونية التي ترى في كل رأي مخالف «عداء للسامية» وكأن إسرائيل هي تلك السامية المزعومة، وكما قال: «إسرائيل لا ترى موقفا ثالثا لأحد، إما الانضمام إلى جوقة المؤيدين إلى السامية طبقا لتعريفها أو احتلال مكان العدو للسامية، ذلك السلاح الكاذب الذي يوجهونه إلى مناهضيهم». روح مماثلة للنازية وعندما قال في المؤتمر الصحفي في رام الله أن ما يحدث من حوله ليس سوى «اوشوتز» ـ معسكر النازي الذي يقول دعاة الصهيونية أن ملايين اليهود ماتوا فيه ـ حاولت صحافية إسرائيلية ابتزازه قائلة: «لا توجد هنا أفران غاز»، فرد عليها بقوله: «ما أقوله يتعلق بالفعل وليس بالاسم، وما يحدث هنا يصدر عن روح مماثلة (للنازية) وهذا واضح جدا هنا». كان جوزيه ساراماجو يعرف أيضا أن تصريحاته الناطقة بالحق والحقيقة سوف تثير عليه حربا تستخدم فيها الصهيونية كل ما تملك من أسلحة دعائية لتشويهه، ولكنه كان جاهزا للرد، لأنه يعتقد انه يقول الحق، ولذلك لم يحاول التملص من كلماته أو النكوص عنها، كما حدث من قبل مع الكثير من الساسة والمثقفين، بالتراجع تحت الضغوط من خلال محاولة تقديم تفسيرات من ذلك النوع الذي يستخدمه السياسيون عندما يؤكدون أن تصريحاتهم «قد أسيء فهمها» أو «اقتطعوا الجملة من سياقها». لم تمض ساعات حتى أكد في حوار صحيفة «الباييس» الإسبانية بالهاتف أجرته معه الصحيفة وهو لا يزال في فندقه في تل أبيب، لعله ينفي أو يتراجع، أو يحاول التملص من كلماته، فما كان منه إلا أن أكد من جديد أن كل كلمة قالها في اتهامه إسرائيل بممارسة حرب إبادة ضد الفلسطينيين كان يعني ما يقول، وانه فكر كثيرا في هذه الكلمات واعتنى باختيارها قبل الإدلاء برأيه، لأنه ببساطة وصف ما شاهده على ارض الواقع، وغير مستعد للخضوع لأي ضغوط للتراجع عما قاله حرفيا، وأكد انه إذا كانت إسرائيل لا تريد أن تسمع اسم معسكر النازي «اشوتز» فإنه تعمد «ذكر هذه الكلمة بالتحديد حتى يهتز المجتمع الإسرائيلي ويطرح نقاشا حول ممارسات جيشه وحكومته ضد الفلسطينيين، وان يتخذ ما من شأنه أن يوقف المعاناة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني حتى لا يتكرر ما حدث لليهود على أيدي النازي». حرص جوزيه ساراماجو على التأكيد في حديثه مع الصحيفة الإسبانية على انه مصر على رأيه والكلمات التي عبر من خلالها عن هذا الرأي في المؤتمر الصحفي الذي عقده أعضاء وفد برلمان الكتاب الدولي، مؤكدا انه لن يتراجع عن تعبيراته مهما كلفه ذلك. الكلمات التي عبر بها الكاتب البرتغالي عما شاهده من تدمير وحرب إبادة ضد الفلسطينيين كشفت من يدعون انهم يعارضون «جرائم شارون»، ويحاولون لعب دور «الحمائم» في إسرائيل، من خلال إعلانهم انهم على استعداد لمناصرة الحق الفلسطيني، ولكنهم في الحقيقة يلعبون دورا موكولا إليهم لتجميل صورة القمع الإسرائيلي الوحشي الذي مارسته ولا تزال تمارسه قوات الجيش الإسرائيلي المسلح في مواجهة المواطنين الفلسطينيين العزل من كل شيء، حتى من دعم أشقائهم العرب الذين اكتفى زعماؤهم بالبيانات والكلمات الرنانة دون أن يقدموا إليهم ما يعينهم في هذه اللحظة التاريخية الحالكة، فقد انبرى الكاتب الإسرائيلي «عاموس اوز» للهجوم على جوزيه ساراماجو بكلمات لا يمكن وصفها سوى أنها صادرة عن «صهيوني عتيد»، وتكشف بوضوح أن هذا الكاتب الإسرائيلي صهيوني حتى النخاع، وانه رغم إعلانه الاعتراض على سياسة شارون إلا انه في الحقيقة يتفق معها، ودوره «كداعية سلام» ما هو إلا غطاء لها. اتهامات صهيونية مضادة رد عاموس اوز على ساراماجو كان نابعا من رؤية صهيونية ترى خطورة تصريحات الكاتب البرتغالي والأثر الإعلامي الذي يمكن أن تحدثه، وهو في النهاية لن يكون في صالح الفكر الصهيوني برمته، فارتعب من أن تصل تلك الأوصاف التي تسم إسرائيل بالنازية، لأول مرة في تاريخها، إلى الرأي العام العالمي وتضعه أمام مسئوليته ليخرج مطالبا بعقاب إسرائيل، بالعقاب الذي لقيته النازية على أيدي قوات الحلفاء، بالطبع مع الفارق هنا انه لا حلفاء يوجدون على خريطة السياسة الدولية الآن على استعداد لمساعدة الفلسطينيين في محنتهم الحالية. من هذا المنطلق تحدث عاموس اوز بلسان صهيوني، واتفق في كل كلمة وجهها إلى جوزيه ساراماجو مع تصريحات المتحدث باسم حكومة شارون، مما يكشف عن حقيقة الموقع الذي يحتله الكاتب الإسرائيلي من ماكينة الدعاية الصهيونية التي تعمل في إطار سياسة شارون، وان كان بذل محاولة لنفي هذا الارتباط بالتوجه الرسمي الإسرائيلي مدعيا انه ضد ما يمارسه جيش بلاده ضد الفلسطينيين، وان كان يرى أن ما يتعرض له الفلسطينيون من «إبادة» لا يقارن بالإبادة التي تعرض لها اليهود على أيدي النازي (؟!)، وكأن للشر وممارساته درجات، يمكن تفسيرها حسب هوية من يتعرضون لهذه الممارسات بغض النظر عن نتائجها. استخدم عاموس اوز في هجومه على جوزيه ساراماجو الاتهامات الصهيونية الجاهزة ضد من يعارض أفكارها، والتي تستخدمها عادة وسائل الإعلام الجاهزة للدفاع عن إسرائيل وممارساتها الوحشية، فاتهم ساراماجو بأنه يدعو إلى تدمير إسرائيل، وأنه «ضحية للدعاية الفلسطينية الرخيصة». من يعرف جوزيه ساراماجو وقرأ أعماله وتابع نشاطه السياسي والاجتماعي يعرف أن الرجل كان صادقا مع نفسه قبل أن يكون صادقا في مواجهة الآخرين، لذلك سرعان ما أعاد التأكيد على تعبيراته مجددا، وزاد عليها ردا لا يقبل أي تفسير آخر سوى أنه يعبر بصدق عن وصف ما شاهده من «جرائم»، فقال انه يفضل أن «يكون ضحية للدعاية الفلسطينية الرخيصة على أن يكون بوقا للدعاية الإسرائيلية الثمينة». ـ كاتب مصري مقيم في اسبانيا