تلقف بعض المرجفين من الإعلاميين العرب ـ للأسف ـ بيانات التشهير بالشهداء ووصم أبطال العمليات الاستشهادية في فلسطين بالإرهاب، والصادرة عن الإدارة الأمريكية والناطقين بلسانها، وكأنها وحي سماوي، ونصبوا أنفسهم كشراح عرب لها، ودعاة لترويجها، وتلبسوا وهم مبلسون ثياب دعاة النضال السلمي، وكأنهم أتباع المهاتما غاندي! وفي مفارقة تفضح بلادة مشاعرهم، وتعري سوءاتهم، تظاهروا كأنهم أصحاب أرواح مرهفة، لا تتحمل مشاهد الدماء، وقالوا إنهم يشعرون بالخجل أمام كل عملية استشهادية، لأنها تكشف عجزنا العربي، وتستفز إسرائيل لتصعيد عدوانها، واستخلصوا بمنطقهم العاجز أن الطريق الوحيد المتاح أمامنا هو الاحتجاج السلمي، والجلوس خلف شاشات أجهزة الكمبيوتر، لإغراق البيت الأبيض برسائل الاحتجاج «اللطيفة» المهذبة، حتى يعرف حقيقة ما يجري، ويغير موقفه! ويرق قلبه المرهف ـ مثلهم ـ للشعب الفلسطيني المحاصر، على مدار الساعة، بين صواريخ مروحيات «الأباتشي» الأمريكية، ودبابات «ميركافا» الألمانية الإسرائيلية. خُيل لي عندما شاهدت أحد المرجفين يتحدث وسط بيروت التي ما زالت تتعافى من آثار مذابح الارهابيين الصهاينة من مذبحة الإرهابي ارييل شارون في صبرا وشاتيلا، إلى مذبحة «قانا» وعناقيد غضب شيمون بيريز، أن الأمريكيين نجحوا أخيراً في استنساخ «توماس فريدمان» عربي، لإنجاز مهمة استئصال «روح الشهادة» من ثقافتنا وتراثنا الديني والحضاري، وإلغاء كلمة «شهيد» من قاموس لغتنا، واستبدالها بكلمة «إرهابي» في جولة جديدة من جولات حرب الحضارات، أو الحرب الأمريكية ضد الإرهاب. على أني أعلم أن لفريدمان الأمريكي منطقه وعذره ودافعه في شن الحرب على الاستشهاديين العرب، فهذه هي المهمة الأولى لسيده في البيت الأبيض، الذي لا يهتز له جفن أمام مشاهد المجازر والمذابح التي يتعرض لها يومياً الشعب الفلسطيني، وعمليات الإعدام والقتل بدم بارد، التي تنفذها الوحدات الاسرائيلية الخاصة خلال العدوان البربري المتواصل على مدن الضفة الغربية، ناهيك عن هدم وتدمير المباني ودفن الفلسطينيين شيوخاً وأطفالاً ونساءً تحت أنقاضها، وإطلاق الرصاص على سيارات الاسعاف لمنع إنقاذ الجرحى، والاعتداء على الصحفيين والمراسلين، بصورة تؤهل شارون لنيل لقب عدو الصحافة الأول في العام الحالي! ليضيفه لألقابه المميزة: السفاح، البلدوزر، الارهابي. لكنني أتساءل عن سر حماس «فريدمان العربي» لتجريدنا من سلاح المقاومة والاستشهاد، ولم أجد جواباً سوى في غياب الضمير وخلل وضلال الرؤية، تحت ضغط المصالح.. ربما، أو الالتحاق بأحد مكاتب تحسين الصورة الأمريكية ربما، أو لضمان استمرارية الالتحاق ببارونات الصحافة. وجاءني الرد حاسماً ودليلاً ساطعاً من صحفي ومراسل غربي، يكتب بقلم مداده النزاهة والموضوعية، ودافعه البحث عن الحقيقة وسط تلال الزيف، ينتصر للشعب الفلسطيني كل يوم على صفحات جريدته، بمفردات للأسف يعجز كثيرون من أباطرة الصحافة العربية عن الإمساك بها. ويجب أن نعترف أننا كعرب لا نحسن التعامل مع الإعلام العالمي، ونسارع بمكافأة الأقلام المسمومة المكرسة لتحطيم صورتنا وإضاعة حقوقنا، ونتجاهل تلك الأقلام النزيهة التي تدافع عن حقوقنا، بدافع من التزام عميق بالحقيقة، ورغبة صادقة في ممارسة صحفية تشع بأنبل قيمها. في الطليعة من تلك الأقلام الصحفي البريطاني القدير روبرت فيسك، الذي تتحول تقاريره اليومية وتغطياته لوقائع العدوان الاسرائيلي ضد الفلسطينيين، إلى شهادات تاريخية، وبيانات حقيقية دامغة للإرهاب الصهيوني. ففي وصفه للمذابح الإسرائيلية في بيت لحم، رغم تصاغرها أمام بشاعة المذابح في مخيم جنين وفي رام الله، كتب روبرت فيسك رداً على المرجفين من أدعياء «القلوب الرحيمة» ان الاسرائيليين قتلوا قارع أجراس كنيسة المهد، وطبيبة في جنين، وصبية (14 عاماً) مزقت قذيفة دبابة جسدها في طوباس، وقتلوا بدم بارد أماً (60 عاماً) وابنها وتركوا جثتيهما لأكثر من ثلاثين ساعة داخل غرفتهما، وقصفوا الصحفيين ودعاة السلام الأوروبيين العزل وأمطروهم بقنابل الغاز، متسائلاً بسخرية: ما رأيكم يا من تروجون لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي بالاحتجاج السلمي على طريقة غاندي؟! والتقط روبرت فيسك بذهن متقد ان ما يجري يتم بتواطؤ أمريكي صارخ، عندما منح بوش وقتاً إضافياً لشارون لإكمال مذابحه قبل أن تطأ قدم كولن باول أرض فلسطين الجريحة، بل قدم بوش في خطابه يوم الجمعة الماضي دفاعاً عن الإرهاب الاسرائيلي لم يكن بوسع شارون تقديم أفضل منه، لدرجة انه لم يشر للاحتلال سوى مرة واحدة وبعبارة مرتعشة، فيما خص ما يعتبره ارهابا فلسطينيا خمسين مرة في خطاب لم يستغرق سوى عشر دقائق. ألا يحق لنا أن نخجل من وجود هؤلاء المرجفين في الصحافة العربية، وننحني أمام قامة النزاهة والموضوعية التي يمثلها روبرت فيسك، ونرد عليه بتحية يستحقها، ونضعه على قوائم التكريم الصحفي العربي.