خرجت مجلة (فصول) الى النور بفضل صلاح عبدالصبور، فكانت المجلة الأولى العربية المتخصصة في النقد الأدبي بمعناه العميق ومناهجه البحثية الجديدة. وكانت المجلة - كما أراد لها صلاح - مدفعية النقد الأدبي الثقيل التي تهتم بالتنظير والتأصيل. وقد تشكلت هيئة تحرير المجلة الجديدة التي كانت الأولى من نوعها على النحو التالي: عز الدين اسماعيل رئيسا للتحرير، وصلاح فضل وجابر عصفور نائبين لرئيس التحرير. وتكررت اجتماعاتنا مع صلاح عبدالصبور في الهيئة، وانتهى بحثنا عن تسمية مناسبة الى اختيار اسم (فصول) الذي كان من اقتراح صلاح عبدالصبور ان لم تخني الذاكرة. وكان سبب الاختيار يرجع - أولا - الى طبيعة المجلة، من حيث هي مجلة (فصلية) أردنا لها أن تصدر أربع مرات في السنة فحسب. وطافت بأذهاننا تسمية (الفصول) القديمة، ولكنها لم تدفعنا الى التردد في ايثار كلمة (فصول) بالتنكير دلالة على توجه المجلة لأن تكون ربع سنوية. وكان لابد أن نضفي على المجلة مايشبه مظلة للحماية، تحول بين الانقضاض عليها من خصوم الجديد، وحزب اعداء النجاح، فاقترح عزالدين اسماعيل أو صلاح عبدالصبور، لا أذكر الآن على سبيل التحديد، أن نجعل للمجلة مستشارين من المرضى عنهم على مستويات عديدة، وان تكون اسماؤهم محترمة لدى أغلب فصائل الاخوة الاعداء في الثقافة المصرية، وأسفر بحثنا عن اسماء: زكي نجيب محمود، وسهير القلماوي، وشوقي ضيف، وعبدالحميد يونس، وعبدالقادر القط، ومجدي وهبة، ومصطفى سويف، ونجيب محفوظ، ويحيى حقي. وتقرر كتابة هذه الاسماء بترتيب الحروف الهجائية على الصفحة الأولى، مواجهة اسماء هيئة التحرير. واجتمعت هيئة التحرير مرات ومرات للاعداد، واستقر الأمر على أن يكون لكل عدد من المجلة موضوع خاص، واتفقنا على أن يكون موضوع العدد الأول مشكلات التراث. وبدأنا العمل بعد ان انضمت الينا الصديقة اعتدال عثمان التي اقترحها صلاح عبدالصبور علينا، وكان معها الشاعر محمد أبودومة الذي كان يعمل في الهيئة، جنبا الى جنب سعيد المسيري المشرف الفني. وأخذنا في الاتصال بالكتاب الذي تحمسوا للكتابة، واستطعنا جمع مقالات من شوقي ضيف وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا وشكري عياد وتمام حسان وابراهيم عبدالرحمن وعزالدين فودة وغيرهم من الاسماء العديدة التي لم تتردد في الكتابة الى المجلة الوليدة التي صدر عددها الأول بالفعل في أكتوبر سنة 1980 مع نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات. وقد أتاح لي العمل في (فصول) أن أقترب من صلاح عبدالصبور على نحو لم يحدث من قبل، فأخذت ألقاه كل يوم تقريبا، وأتابع معه مشكلات التنفيذ التي لم تكن تنقطع، وكان مكتبه باحة مفتوحة للكتاب من كل الاتجاهات والأجيال. وبقدر اقترابي منه ورؤيته حماستي للعمل عن قرب، أخذت علاقة الصداقة تزداد قوة الى حد بعيد، الأمر الذي جعله حريصا على تقديمي لكل المقربين منه خارج دائرة الجمعية الأدبية المصرية الذين كنت أعرفهم بالفعل. وكان في ذلك ما أتاح لي مشاهدة تسامحه الفكري وايمانه بالتنوع الخلاق واحترامه لحق الاختلاف، فما أكثر من كان ينشر لهم من الكتاب وهو أبعد ما يكون عن الاتفاق مع أفكارهم، وما أكثر الاعمال الابداعية التي كان ينشرها، خصوصا في الشعر، وهو يعلم أن أصحابها لا علاقة لهم بالشعر الحقيقي، وكنت أعاتبه في ذلك، وأجادله بنوع من الخشونة، لكنه كان يذكرني دائما أن هيئة الكتاب ليست ملكه شخصيا، وانها ملك لجمهور الكتاب ويتوجه الى الشعب بكل طوائفه وفئاته، ومن ثم لابد أن تكون مجسدة للتنوع والاختلاف، تاركة للقراء حرية الاختيار وتحديد القيمة. ولن أنسى مواقف صلاح عبدالصبور في رعاية عملنا في مجلة (فصول) ودعمنا الى أبعد حد، بل ترك أقصى درجات الحرية لنا، كي نصدر مجلة تعتز بها الثقافة العربية، وتسهم بقوة في كسر أسوار العزلة القومية التي ظلت الثقافة الساداتية تعمل على تعزيزها ومن الأحداث الطريفة التي لم أنساها انني لم أهدأ في دعوة الكتاب الى الكتابة. وظللت ألح على الجميع الى ان تجمعت لدينا مادة ضخمة جدا في موضوع مشكلات التراث. وكان مستحيلا أن تصدر هذه المادة في حجم مجلة عادي مثل مجلة (المجلة) أو (الكاتب) فضخامة المادة تجاوز العدد الممكن للصفحات الى مايزيد على ستمائة أو سبعمائة صفحة. وعرف صلاح عبدالصبور بالأمر، فأخبرنا انه لا مفر من الاختصار القاسي، والاكتفاء بما يجعل المجلة في حدود مائتي صفحة. وتقبل أستاذي عزالدين هذا الحل الذي وجده معقولا. ولكن لم أستطع تقبل هذا الحل. خصوصا بعد أن بذلت أقصى جهدي لاقناع الناس بالكتابة، وبعد أن حلمت أن تكون (فصول) نموذجا استثنائيا غير مسبوق. وانتهى نقاشنا في المجلة بأن تركنا عزالدين اسماعيل وذهب الى منزله، ولحق به صلاح فضل الذي كان قد اخذ يستعد للسفر الى مدريد للعمل مستشارا ثقافيا في اسبانيا. وبقيت وحدي مع المشرف الفني، وأخذنا نبحث عن مخرج، وفجأة ذكر لي أن المجلات تطبع عادة على قطع بعينه، وهو ربع جاير، وأن الزائد على الحجم يتم قصه، فقلت له: وماذا يحدث اذا لم نقص كل هذا الكم الذي يقص عادة؟ قال لي: يصبح قطع المجلة كبيرا غاير عادي. وسألته: وهل تحتمل الصفحات مادة أكبر؟ فأجابني بالايجاب، مؤكدا أن الصفحة في هذه الحالة تحتمل ضعف المادة المعتادة في المجلات التي نعرفها. وعندئذ، خطرت لي فكرة أن نجعل من قطع المجلة كبيرا على نحو استثنائي، فنحقق صفة التفرد والسبق، ونضم كل المقالات التي كان يمكن أن تحذف واعجبت الفكرة الصديق سعيد المسيري ولكنه حذرني من أن عدد الصفحات مع ذلك سيظل في حدود اربعمائة صفحة، والحد الأقصى المسموح لنا مابين مائتين ومائتين وخمسين صفحة. وأخذت سعيد المسيري الى صلاح فضل في منزله، وأقنعته بالفكرة التي تحمس لها، وذهبنا معا الى عزالدين اسماعيل الذي اقتنع بالفكرة، لكنه ظل على اتفاقه مع صلاح حول عدد الصفحات، فقلت له دع صلاح لنا. وذهبت مع صلاح فضل رأسا الى منزل صلاح عبدالصبور الذي قابلنا مندهشا، خصوصا بعد أن طلبنا من زوجته رحمها الله أن توقظه من نومه ما بعد الغداء، وبادرته بالحل الذي وصلنا اليه، فابتسم وقال: ولكن يبقى عدد الصفحات والتكلفة المالية الكبيرة التي ستترتب على زيادة عدد الصفحات عن الحجم المقرر، فقلت له انني وصلاح فضل على استعداد للعمل مجانا دون مقابل لتغطية التكلفة، وكلنا ثقة أن عزالدين اسماعيل سيفعل مانفعل، فضحك من أعماقه، وخاطبني بحنو قائلا: وهل تظن أن مرتباتكم تفعل شيئا ازاء هذه التكلفة؟ فقلت له بحماسة تحقيق حلم المجلة: لابد أن تقبل هذا الحل، والا لن أتركك تكمل نومك، ولن نفارق بيتك الا بعد الموافقة. فضحك من قلبه، وبدا أن حماستنا الصادقة انتقلت اليه، فقال: اذهبا وافعلا ماتريدان، وسأحاول أن أجد حلا للتكلفة المالية. وهكذا، خرجت مجلة (فصول) بحجمها غير المعتاد الذي ظنه الكثيرون تجديدا، واقتربت صفحات العدد الأول من أربعمائة صفحة، وكان لظهور المجلة من الاثار مايخرج عن اطار هذه الذكريات. وأخذت اعدادها الاولى تتابع في نجاح غير مسبوق، ونجحت في كسر العزلة القومية، فاجتذبت الأقلام العربية الشابة التي أصبحت أعلاما مرموقة بعد ذلك. ولولا هذه الروح التي أبداها صلاح عبدالصبور ما استمرت المجلة الى عددها الرابع الذي حمل مرثيته بعد أن مات بين أيدينا نحن الذين أحببناه.