عندما انتخب ارييل شارون رئيساً لحكومة اسرائيل، خلفاً لايهود باراك، حاول ان يخلق انطباعاً جديدا عنه، بقوله انه تغير عن السابق، وان لديه افكاراً مختلفة، حول الواقع والمستقبل، واسلوباً مختلفاً في العمل فهو سعى الى اسقاط صورة المجرم، «بطل» مجزرة صبرا وشاتيلا ومجازر عديدة اخرى سابقة، التي التصقت به لكن السياسة العدوانية التي انتهجها شارون حيال الشعب الفلسطيني، بعيد تسلمه السلطة، وفي الاحداث الدموية المتعاقبة التي شهدتها الاراضي الفلسطينية المحتلة، ثم توجت بغزو اسرائيلي شامل لمناطق السلطة الفلسطينية واحداث تدمير هائل فيها، اعادت ابراز صورته الحقيقية، صورة القاتل، الدموي، المهووس بالحروب والتوسع. ومن المفيد، بل من المهم كثيراً، اعادة تسليط الضوء على شخصية شارون الحقيقية، من خلال حوار طويل كانت الصحفية العالمية اوريانا فلاتشي اجرته معه في سبتمبر عام 1982 عندما كان وزيراً «للدفاع» خلال الغزو الاسرائيلي للبنان ومحاصرة بيروت، وبعد اخراج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من العاصمة اللبنانية. قراءة جديدة واهمية العودة الى هذه المقابلة التي مضى عليها عشرون سنة تنبع من ثلاثة امور مترابطة: ـ الامر الاول، هو ان المقابلة تعد بمثابة وثيقة تاريخية. فقد اتخذت شكل محاكمة لشارون، حيث استطاعت الصحفية فلاتشي، بجرأتها المعروفة وعبر تفهمها لجوهر الصراع العربي ـ الاسرائيلي، ان تستفز (وزير الدفاع) وتخرجه عن طوره عدة مرات لدى مواجهتها له بالحقائق الدامغة حول تصرفاته ومواقفه، وطبيعة الصراع القائم ومستقبله كما تمكنت من ان تستنطق شارون، عبر اسئلتها المحرجة ليكشف الكثير من نواياه، العلنية والخبيئة. ـ والأمر الثاني: هو ان الغزو الذي يقوده شارون الآن ويستهدف به الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث يرتكب جيشه المجازر والفظاعات على نطاق واسع، لا يختلف عن غزو لبنان عام 1982، بل لعله يبدو مكملاً له، في اسلوبه واهدافه وفي الكثير من تفاصيله. ـ اما الامر الثالث: وهو الاخطر، فيحمل كل الدلالات على ان شارون ينفذ الآن تماماً ما كان تحدث عنه قبل عشرين عاماً، بما يؤكد ان هذا المجرم المحترف لم يتغير ابداً، وانه يسعى حالياً الى تحقيق ما عجز عن تحقيقه في الماضي، خصوصاً ما يتعلق برفض حقوق الشعب الفلسطيني، وبما يسمى «الوطن البديل» حيث يعتبر ان الاردن هو الموقع الوحيد للدولة الفلسطينية. وكانت مجلة «نوفيل اوبسر فاتور» الفرنسية نشرت نص هذا الحوار (سبتمبر 1982) ثم ترجمته عنها مجلة «الطليعة» التي كانت تصدر في باريس آنذاك. انتصار أم هزيمة؟ ونعيد هنا نشر اجزاء من هذه الوثيقة المهمة، بنصها الأصلي: ـ فلاتشي: جنرال شارون، القسم الاول من حربكم انتهى: فرجال عرفات غادروا بيروت، لكنهم ذهبوا مرفوعي الرأس، بعد ان قاوموا جيش اسرائيل القوي مدة شهرين ونصف محاطين بتعاطف لم يسبق لهم ان تمتعوا به حتى ان لم ننس انهم كانوا اول من غزا لبنان واستقروا فيها كأسياد، فان الجميع يعترف الآن بحقهم في وطن لهم وليس من قبيل الصدفة ان يتحدث عرفات عن الانتصار السياسي الذي احرزه كما انه ليس من قبيل الصدفة ان يقول العديدون انك قد اديت له خدمة، سياسياً، فهل هذا ما كنتم تريدون؟ ـ شارون: كنت اريد ان يذهبوا من بيروت او من لبنان، وقد توصلت الى هدفي هذا كاملاً، بامكان عرفات ان يقول ما يريد فذلك لا يعنيني. وحدها الوقائع تعنينا، ونتائج هذه الوقائع بالنسبة للمستقبل ربما اعتقد فعلاً انه قد ربح على المستوى السياسي، لكن المستقبل سيبرهن ان هزيمته كانت بالأساس سياسية لا عسكرية، تعلمون انه على المستوى العسكري لو حللت هذه الحرب من وجهة نظر عرفات لما اعتبرتها هزيمة. فالجيش الاسرائيلي هو فعلاً آلة ضخمة وارهابيو منظمة التحرير لم يكونوا سوى 10 آلاف بما في ذلك السوريون وقد مارسنا ضغطاً قاسياً على هؤلاء العشرة آلاف بالمقابل سياسياً، أبيد عرفات تماماً وسأقول لكم لماذا قوته كانت تكمن في انه كان يقود مركزاً للارهاب الدولي ومثل هذا المركز ما كان له ان يوجد الا بواسطة السيطرة على بلد واقامة دولة داخل الدولة فيه، هذا البلد كان يتمثل في لبنان، لقد كان ينطلق من لبنان ليتحرك في العالم بأسره، وفي لبنان كان مقر قيادته العسكري والسياسي الان وقد تشتت الفلسطينيون بين ثمانية بلدان مختلفة، من الجزائر حتى اليمن ومن العراق حتى السودان، لم يبق لهم اي امل في ان يعيدوا ما كانوا يفعلون، اي امل البارحة اتصل بي هنري كيسنجر بالتليفون وقال لي ان عصراً جديداً قد بدأ وان امكانات جديدة قد وضعت لحل المشكلة الفلسطينية وقال لي انه امام اسرائيل ما بين 12 و18 شهراً لنجد مثل هذا الحل قبل ان تعود منظمة التحرير الى نشاطها. انتهازية وتوافق! ـ فلاتشي: اذن حتى كيسنجر يعتبر ان منظمة التحرير لم تنته هي فعلاً لم تنته يا جنرال شارون، والمقابل فقد تمكن عرفات من صنع «ستالينجراد» لقد تأثر العالم كثيراً لهذه الحرب، كما ان حصاركم لبيروت هاله، والعلاقات بين اسرائيل والولايات المتحدة تدهورت ربما انتصرتم يا جنرال شارون لكن انتصاركم يبدو لي مثل انتصار «بيروس». ـ شارون: انت خاطئة اولاً لأن التعاطف مع اسرائيل لم ينته ثم ان هذا التعاطف مهما بدا لنا ثميناً يمكننا ان نتخلى عنه عندما يتعلق الامر بأمننا ثم لان علاقاتنا مع الامريكان لم تتغير صحيح ان نقاشات صعبة قد تمت بيننا كما ان ضغوطات قوية قد سلطت علينا قبل بداية الحرب، لم احدد معهم هدفا او مصلحة مشتركة، لكنهم الآن يشاطروننا اراءنا ونحن متفقون حول كل شيء على اية حال، انا افضل هذه النقاشات وهذه الضغوطات على ان يتم اجلائي بواسطة طائرة هليكوبتر من فوق سطح السفارة الامريكية في سايجون، ذهاب الامريكان من فيتنام كان مهيناً وانا لم احتمل مثل هذه الاهانة لقد فرضتها على عدوي. ـ فلاتشي: ليس صحيحاً يا جنرال يا شارون، انسحاب منظمة التحرير من بيروت تم بكرامة، بعض الدموع نعم، بعض طلقات النار الغبية اقر لك بذلك لكنه جيش انسحب بزيه العسكري وبأسلحته وبراياته ام انك لم تشعر الا بالاحتقار تجاههم وانت تراهم من بعيد يغادرون؟ ـ شارون: لا، لقد شعرت بما تقول التوراة: «لا تشمت عندما يسقط عدوك». ـ كاتب وصحافي لبناني مقيم في فرنسا