بعد الغزو الاسرائيلي الواسع لمناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، اصبح للأدبيات التي تعالج الشئون الفلسطينية بمختلف جوانبها، أولوية واضحة في أجهزة الاعلام العربية والعالمية. فقد خطفت هذه التطورات المثيرة الأضواء وحجبتها مؤقتاً، عن سائر الأحداث الأخرى. فالطريقة الفريدة غير المسبوقة التي عُومل بها الرئيس ياسر عرفات، وما لجأت إليه القوات الاسرائيلية من إجراءات غير عادية، مثل الاعدامات غير الشرعية، وقطع الماء والكهرباء عن السكان العُزل، ومنع سيارات الاسعاف من إنقاذ المصابين، ومحاصرة كنيسة المهد، وإطلاق الرصاص على دعاة السلام الأوروبيين وغير ذلك من أعمال همجية، تثبت جميعها ان شارون قد فقد صوابه وتنكب جادة الصواب. فبدلاً من أن يتفادى الهجمات الاستشهادية التي روّعت اسرائيل والناشئة أصلاً عن الاحتلال، بواسطة التجاوب مع المبادرة السلمية العربية التي انبثقت عن قمة بيروت، والإعلان عن استعداد بلاده للانسحاب الى حدود الرابع من يونيو، أخذ يبحر بجنون في قارب العنف، ويلجأ الى القوة المفرطة، ويصعّد الاحتلال الذي يشكل اساس البلاء ومصدر الاضطراب، فأصبح بحق جديراً بتهمة الارهاب الذي يتهم بها غيره، فضلاً عن كونه مجرم حرب مطلوباً من العدالة في محاكم بلجيكا. وليس في نيتنا هنا إطلاق مواعظ خطابية مثيرة للتنديد بهمجية شارون ومن هم على شاكلته، بل نريد أن ندخل الى أعماق الحياة الداخلية الاسرائيلية، ونتقصى جذور العقلية الصهيونية المتعصبة التي ينتمي إليها شارون وأمثاله. ولعل من المفيد في هذا المجال، أن نستأنس ببعض ما ورد في كتاب «أحاديث في العروبة والقومية»، للشاعر الكبير أحمد السقاف الذي تناول المشكلة من جوانب فريدة، قلما تعرض لها آخرون، فغاص في أعماق التاريخ القديم، ليحدد بوضوح اللبنات الأولى التي تمخضت عنها المأساة الفلسطينية. وبينما درج الكثيرون من الناس، والعديد من الأدبيات السياسية، على إرجاع هذه المأساة، الى وعد بلفور المشئوم، فإن المؤلف يذهب بنا الى أبعد من ذلك بكثير، فيعود بنا الى عام 589 قبل الميلاد. وهو العام الذي انطلق فيه بختنصر، ملك بابل الى أورشليم ليضرب اليهود ويسوق الملك صدقيا والآلاف من أتباعه الى الأسر، وذلك بسبب تنكر هذا الأخير لاتفاق كان قد أبرم بين الملكين قبل تسع سنوات. وقد عُرف الذين ساقهم بختنصر الى الأسر في بابل، باليهود. وبعد حين، أقدم بعض رجال الدين المتعصبين من نسل يهودا على كتابة التوراة بطريقة تعصبية وحاقدة، وحشوها بوعود وهمية باطلة يرفضها العقل السليم، ومن هذه الوعود الظالمة استمد دعاة الصهيونية دعاويهم الاستيطانية المتطرفة، كما استند إليها هرتزل وغيره في نشر الفكر الصهيوني الجائر. ويبين المؤلف ان اليهود أقاموا لهم أول مستوطنة في فلسطين، في أواخر القرن التاسع عشر، اعتماداً على أراجيف مزوري التاريخ وكتبة التوراة. وبعد ذلك تعرضت فلسطين لاكتساح آشوري وبابلي ولغزو فارسي أعقبه غزو روماني، ثم كانت الهجرة اليهودية الى فلسطين ووعد بلفور المشئوم بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط فلسطين في يد الوصاية البريطانية التي مهدت لنشوء الكيان الصهيوني في عام 1948. وبعد عرض هذه الأحداث التاريخية القديمة، يلج الأديب الكاتب بوابة التاريخ الحديث، فيذكرنا بالغارة التاريخية الصهيونية على مكاتب منظمة التحرير في تونس، وكذلك بضرب المفاعل النووي العراقي. وبعد ذلك يصل الى مذابح (دير ياسين وكفر قاسم والسموع، وصبرا وشاتيلا ومجزرة قانا)، وأخيراً جريمة المجند ناعوم فريدمان في سوق الخليل. وبالطبع فإن تاريخ صدور الكتاب، لم يسمح بتعقب الأحداث الوحشية التي تلت وصول شارون الى سدة الحكم منذ أكثر من عام. لقد أدان المؤلف التعصب اليهودي، ولا سيما ما ظهر منه في التوراة. لكنه في الوقت نفسه يتبنى اتجاهاً بعيداً عن التعصب والتحامل، إذ يقول بأن اليهود العلمانيين يبحثون فعلاً عن السلام، من حيث المبدأ، وان المتعصبين الذين ينهلون من عنصرية التوراة، هم فقط الذين يريدون التسلط على العرب واحتلال اراضيهم. وهو يرى ان تحقيق التعايش بين العرب واليهود مستقبلاً، مرهون بما يقدم عليه أحبار اليهود من تنقية جادة وتصحيح لما كتبه أسلافهم في التوراة والتلمود، والذي يتضمن التحريض على الغدر والقتل والخديعة، وكذلك إلغاء التعليم الديني المتعصب الذي يهيمن عليه الحاخامات. وهذا يذكرنا بتعديل نصوص الميثاق الوطني الفلسطينية التي تفضي بتدمير اسرائيل. فلماذا طالب اليهود بإلغاء نصوص في مواثيقنا وحصلوا على ما يريدون، ولا نطالب نحن بإلغاء نصوص في مواثيقهم، هذا هو الباب الجديد الذي فتحه المؤلف. ـ كاتب سوري