عندما توصل العالم إلى إمكانات تفجير الطاقة النووية ، انتعشت الآمال ـ في الغرب بالذات ـ إزاء ما تنطوي عليه تلك الطاقة الجديدة من احتمالات كان في مقدمتها إمكانية الاستغناء عن النفط أو في أقل القليل إمكانية إزاحة النفط عن عرشه الوطيد الذي يتبوأه بالنسبة لموارد الطاقة اللازمة للحضارة البشرية المعاصرة. ولم تكن تلك الآمال صادرة عن اعتبارات اقتصادية أو حتى صناعية وحسب بل كانت تنطلق كذلك من اعتبارات جيوبوليتيكية منها مثلا تحجيم أهمية الشرق الأوسط بوصفها أكبر مناطق إنتاج النفط في العالم وأهم مكامن احتياطيات الطاقة النفطية في العالم أيضا. كان ذلك على وجه التحديد خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وكانت تلك الآمال معقودة بالذات على إمكانية توليد الكهرباء اللازمة لأغراض المعيشة والصناعة والتنمية من واقع عمليات الإنشطار النووي وبعدها من مفاعلات تجهيز ومعالجة الطاقة النووية وأخيرا من خلال عمليات الإدماج النووية مما يكفل ـ كما تنبأت تلك التوقعات في أوروبا الغربية وفي الولايات المتحدة بتوليد كميات من الطاقة الكهربية تفوق تلك المتولدة من محطات التوليد الحراري التي تستخدم وقود الفحم أو النفط وما في حكمهما من مصادر الوقود الاحفوري ، وحين يطل على العالم عام 2000 للميلاد إيذانا بمولد القرن الحادي والعشرين تهيمن المصادر النووية على عرش موارد الطاقة في عالم القرن الجديد. الهدف هو الاحتكار وعلينا أن نضيف إلى ما سقناه من أسباب في تفضيل الطاقة النووية سببا نراه غاية في الأهمية ويتمثل في أن الغرب أو الشمال المتقدم على جانبي الأطلسي ، وربما يضاف إليه أيضا الاتحاد السوفييتي ومن بعده روسيا الاتحادية ، وحليفاتها ـ كل هؤلاء كان همهم هو احتكار أهم موارد الطاقة في العالم وذلك بحكم أنهم يحتكرون منذ منتصف القرن الماضي مصادر الطاقة النووية . والمعنى أنه إذا كان الشرق الأوسط هو محور احتياطات ومنتوجات النفط السائل والغاز الطبيعي فها هي الحقبة الواعدة الجديدة قد أتت ـ أو هكذا تصوروا منذ 30 سنة - لكي يجني فيها الغرب وربما الشرق الأوروبي المتقدم ثمار تقدمه في مضمار العلم والتكنولوجيا. لقد استطاعوا منذ عقد الاربعينيات الماضي أن يكتشفوا ومن ثم يستخدموا طاقة النواة صحيح أن من بينهم من سخرها لأغراض إبادة البشر في جريمة هيروشيما ونجازاكي اللتين قصفتا بأول قنبلة ذرية نووية في التاريخ كان ذلك في عام 1945 كما هو معروف وبأمر من الرئيس الأمريكي وقتها هاري ترومان وصحيح أن الخصم السوفييتي امتلك القنبلة الذرية بعيد هذا التاريخ إستخدمها قادة الكرملين ، ستالين وحلفاؤه سلاحا لموازنة الردع النووي الأمريكي خلال معظم سنوات النصف الثاني من القرن ـ إلا أن الصحيح أيضا أنهم عمدوا إلى استخدامات غير عسكرية ـ ولتقل أنها إستخدامات مدنية أو سلمية مفيدة للغاية بالنسبة للبشر تراوحت بين أغراض العلاج وبين توليد الطاقة الكهربية من المفاعلات النووية التي انتشرت فوق رقعه الخريطة الأمريكية والسوفيتية على السواء مع هذا كله فقد كان الإحباط ـ النسبي كما قد تقول ـ نصيب تلك الآمال التي عقدت على المورد النووي كمصدر أساسي ومستقبلي لتوليد الطاقة في عهد الرئيس الأمريكي كارتر مثلا ـ وكان ذلك في النصف الثاني من عقد السبعينيات ـ ظل العالم يتسامح عن حوادث تقع في هذا المكان أو ذاك من الولايات المتحدة وتهدد بتسرب الإشعاع الجسيم الخطورة من بعض المفاعلات النووية الأمريكية أشهرها كان حادثة مفاعل ثري مايلز وبين ملابسات تلك الحوادث كان الخبراء المختصون يضعون أيديهم على قلوبهم وهم يوازنون بين سبل التوسع في التوليد النووي للطاقة وبين ما ينطوي عليه ذلك من أخطار قد تهدد الناس والبيئة خاصة وقد كانت تلك هي سنوات بزوغ الوعي الأيكولوجي ـ الدعوة إلى الحفاظ على البيئة إزاء أخطار التلوث الجوي أو المائي أو غيرها وفي هذا الإطار ارتفعت النداءات بين صفوف جماعات بدأت تعرف باسم أنصار البيئة أو أحزاب الخضر تحذر من مغبة الإهمال أو التراخي أو التسبب في تصريف النفايات النووية المتخلفة بداهة عن تلك المفاعلات الذرية ، خاصة وقد ترددت هنا أو هناك أنباء كم كانت باعثة على القلق والحذر الشديد في آن ومفادها أن أوساطا أمريكية، وأحيانا دوائر ألمانيا ـ غربية في ذلك الحين ـ كانت تخطط أو بالأدق تتآمر مع عملاء لها في العالم الثالث ـ في أفريقيا بالذات ـ من أجل دفن النفايات النووية المتخلفة عن مفاعلات أمريكا أو ألمانيا في بلدان أفريقية .. بما ما قد ينجم عن ذلك من خطر الإشعاع الذي لا يصيب فحسب أهل البلد المتورط وحدهم ولكنه كفيل بأن يعبر الحدود ويخترق السدود كي يلوث ما يجاور البلد المعني وما يجاوزه من شعوب وأقطار. وسط هذا الجدل الذي دار نحوا من عقد كامل من الزمن ـ بين منتصف السبعينيات إلى منتصف الثمانينيات ـ ظل العالم يعيد حساباته ويوازن بين جانبي المكسب والخسارة إلى أن جاء اليوم الذي وقعت فيه الواقعة فأدت إلى ما يشبه حسم الأمر لغير صالح المواد النووية كمصدر أساسي لتوليد الطاقة اللازمة للإنسان إلى فترة قادمة مازالت ممتدة إلى سنوات. كارثة تشيرنوبل نعم ـ وقعت حادثة ـ بل كارثة المفاعل النووي تشيرنوبل في أوكرانيا بالاتحاد السوفييتي سابقا وكان ذلك في مستهل عهد جورباتشوف الذي تولي ـ كما لاشك تعرف ـ تصفية مؤسسة تشير نوبل وذيولها ومن بعدها أشرف على تصفية المؤسسة المأموث أو الديناصور السياسي المنقرض الذي كان يحمل اسم الاتحاد السوفييتي. كانت شيرنوبيل كارثة نووية حلت بأهل أوكرانيا من جهة وأضاءت كل أضواء الإنذار الحمراء أمام كل المراهنين على استخدامها. هنالك تشجعت أوساط أخرى عديدة لكي تضئ مزيدا من أنوار التحذير أحيانا أو اضواء الترشيد أو التعقيل أحيانا أخرى قال اقتصاديون أن استخدامات الطاقة النووية وتشغيل محطاتها ومفاعلاتها وتطوير الكوادر الفنية المطلوبة للعمل بها ـ كل هذا أمر باهظ الكلفة اقتصاديا ـ إذا ما قورن بالمزايا النسبية التي تتمتع بها عمليات توليد الطاقة الكهربية ، من المحطات الحرارية التي تستخدم لقيم الفحم أو النفط وتحتاج إلى أدوات وعمالة معقولة أن لم تكن متهاودة من حيث التكاليف فضلا عن مأمونية تشغيلها رغم مشكلات ما يصدر عنها من انبعاثات كربونية يمكن أن يجد لها العلماء حلولا معقولة بدورها في مستقبل الأيام. واضافت أوساط أخرى تحذر من مغبة التوسع في التعاطي مع المواد والعمليات النووية وتعرب عن خشيتها إزاء إحتمالات أن يمتد هذا التوسع يوما ـ فمن يدري ؟ ـ إلى المضمار العسكري مما يتنافي مع كل الجهود التي ما برح العالم يبذلها للحد من انتشار الأسلحة النووية. هكذا دخل العالم سنوات هذا القرن الحادي والعشرين وقد أصاب الطاقة النووية عارض التنجيم فيما كان الإحباط ـ كما أسلفنا ـ من نصيب الذين راهنوا على توسيع إستخدامها ـ ربما نكاية سياسية وإقتصادية وتقنية ـ في موارد الطاقة التقليدية التي تتمتع بها بلادنا في منطقة الشرق الأوسط. ولكن هذا التنجيم لم يكن معناه أن المسألة كانت عبارة عن صرف نظر عن إستخدامات الطاقة النووية فالعالم بحكم احتياجاته ـ لا يملك هذا النزف ـ وقد جاءت الطاقة النووية لتؤكد ـ موضوعيا ـ أهمية موقعها على أجندة الطاقة الكوكبية ـ ولكن المسألة تمثلت في أنها تراجعت إلى الوراء أشواطا لكي تشكل الآن نسبة 20 في المئة فقط من توليد مولدات العالم من الكهرباء. وفرة الشمال وحرمان الجنوب ومن عجب أنه فيما كان الجزء الشمالي المتقدم من عالمنا يسهب في أحاديث الطاقة النووية ، ثم بات الآن يسهب في أحاديث المصادر المستخدمة والمبتكرة من الطاقة ويرصد اعتمادات طائلة تطيقها ميزانياته من أجل التوسع في هذا المجال ـ لايزال جنوب العالم وهو يحوي الكثرة الكاثرة من البشر ـ يدور في فلك أدنى أنواع الطاقة التقليدية أولا لأنها رخيصة وثانيا لأنها متاحة أو هي المتاحة دون سواها وثالثا لأن الجنوب الفقير من كوكب الأرض لايملك ما يكفي من الأموال التي يرصدها لجهود تطوير مصادر جديدة أو متجددة ومازالت هذه الأقطار الجنوبية تعتمد على استخدام طاقة الكتلة الاحيائية ـ وخاصة المخلفات الحيوانية والعضوية إضافة إلى حطب الوقود البدائي المستمد من أشجار الغابات والأحراش والأدغال. إحصاءات هامة في هذا الصدد تقول الإحصاءات العالمية: نحو ملياري إنسان في جنوب العالم لا يزالون محرومين من استخدام الكهرباء وفيما لم يشاهد أي أمرئ من هؤلاء البشر الفقراء لمبة كهرباء مضيئة في حياته ، فإن متوسط استخدام الطاقة في بلدان الوفرة بشمال العالم غرب أوروبا وأمريكا يصل إلى عشرين ضعف نظيره في أقطار الجنوب وهذا استخدام للطاقة الكهربية ـ حسبما تقول نظريات التنمية ـ يظل مؤشرا يدل على مقدار ما يتمتع به ابن الشمال الموسر، فيما يحرم منه ابن الجنوب المعوز ـ من وفرة في الغذاء واتساع مجال التعليم من حيث الحقبة الزمنية والناتج والمواد التربوية فضلا عن درجة مرتفعه للغاية مما يصفه المتحضرون بأنه الحراك الشخصي وهو قدرة الفرد على التنقل المادي عبر المكان بفضل تطور وسائل النقل أو الاتصال وربما التحرك المعنوي عبر المكانة من حيث الارتقاء من مهنة إلى أخرى أو من طبقة اجتماعية إلى طبقة أعلى وإذا ما تابعنا حديث الأرقام نجد أنه في مستهل القرن العشرين كانت أوروبا وأمريكا تستهلك 98 في المئة من الطاقة التجارية في العالم. في تلك الفترة كان معظم أبناء أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية مجرد مزارعين فقراء أو شبه فقراء يعيشون على الكفاف في الأرياف أو المدن الصغيرة. ورغم أنه كانت آمال كثيرة وعريضة معقودة على ردم هذه الثغرة الرهيبة الفاصلة بين أهل الثمانية والتسعين في المائة وأهل الأثنين في المائة - إلا أن الأمر لم يكن يشهد تحسنا يعتد به رغم ما قطعته البشرية من أشواط واسعة في مضمار التقدم عبر النصف الأول من القرن العشرين. وحين جاء عام 1950 كانت الدول الصناعية المتقدمة في العالم تستهلك 93 في المئة من مجمل موارد الطاقة العالمية. وكم جاهد العالم طيلة النصف الأخير من القرن الماضي لكي يضيف تحسينات قد يتعدل بها ميزان العدل أو التكافؤ بين أغنياء الشمال وفقراء الجنوب وربما نجح العالم ـ مع عقد الستينيات والسبعينيات بالذات في تحرير الكثير من الموارد لصالح أهل الجنوب وكان ذلك في إطار حركات التحرير الوطنية ونجاح دعوات الاستقلال وبدء خطط التنمية وما صاحبها من تطور نوعية أو جودة الحياة في البلدان الجنوبية النامية. وربما تحسن الموقف بالفعل ، وهو أمر لا سبيل إلى إنكاره ولكن يظل الميزان مائلا ومازال التوازن مختلا والمعادلة راجحة بشكل غير إنساني لصالح الذين ما برحوا يستأثرون بثروة كوكبنا وخيرات عالمنا دون سواهم من عباد الله المتطلعين في لهفة الشوق إلى العدل. صورة الاستفزاز العالمي جاء عام 2000 لتصبح المعادلة حسب آخر الإحصاءات على الشكل التالي: بلدان الشمال الموسرة تشكل نسبة 20 في المئة أي واحدا على خمسة سكان العالم 20 في المئة لا أكثر ، ولكنها في الوقت نفسه تستأثر بنسبة 70 في المئة تأمل من مجموع مصادر الطاقة الأولية في العالم أيضا تزيد الصورة وضوحا ـ بل تزيد في رأينا دلالة واستفزازا حين نحيل إلى أحداث الأعداد الصادرة عن مجلة كرنت هستوري الأمريكية في مارس 2002 وقد اتخذ محورا له الموضوع الجوهري الذي يحمل عنوان سياسات الطاقة العالمية فالدراسة التي نشرها البروفيسور فاكلاف سميل الأكاديمي البارز المتخصص في مجال اقتصاديات وسياسات الطاقة تقول لنا. أن أمريكا تشكل بمفردها نسبة 5 في المئة من سكان العالم ولكنها في عام 2000 الماضي استهلكت نسبة 27 في المئة من مجموع موارد الطاقة في العالم. ولكي يتضح المزيد من أبعاد هذه الصورة ـ يستطرد الاستاذ الباحث قائلا في نفس السياق: ان أفقر أبناء عالمنا ويشكلون نسبة 25 في المئة من سكانه يستهلكون نسبة 25في المئة فقط لا غير من موارد الطاقة ولكي نجلو معالم تلك الأبعاد التي تكتسبها صورة التمييز الصارخ بين الموسرين والمحرومين تضيف الدراسة التي نحيل إليها: ان نصيب الفرد في تلك البلدان الفقيرة يساوي 20 كيلو غراما مكافئ النفط ، فيما يبلغ نصيب الفرد في الأقطار الموسرة أمريكا وكندا بالذات أكثر من 70 كيلو جراما بالتمام والكمال من مكافئ النفط. إلى هذا الحد يبلغ اتساع الثغرة الفاصلة بين الجانبين لدرجة يقال معها أن كوكب الأرض منقسم ـ من حيث استهلاك الطاقة ـ إلى عالمين: عالم الموسرين وزيادة وعالم المعوزين إلى حدود تدنو أحيانا عن مستوى الكفاف ،وشتان مثلا بين بحر الأضواء التي تسبح فيه مثلا ساحة تايمز سكوير في قلب مانهاتن في نيويورك حيث لايكاد المرء يدرك فرقا بين الليل والنهار ـ وبين كوخ في بلد أفريقي أو سقيفة بدائية في قطر بأدغال آسيا أو أحراش أمريكا الجنوبية لم يشهد يوما لمبة كهرباء حتى لا نقول ولا استقبل في لحظة ما صورة على شاشة تلفاز نسأل أنفسنا: متى يمكن ردم هذه الثغرة ؟ البروفيسور فاكلاف سميل يجري حساباته ويراجع إحصاءاته ويتدارس سيناريوهات التطور المستقبلي ثم يجيب قائلا: يمكن تضييق هذه الثغرة في حدود أربعين عاما ، قد تقل أو تزيد من عمر الزمان ـ كاتب سياسي مصري